المنشور طويل تداخلت فيه الأحداث،
المنشور طويل تداخلت فيه الأحداث،
لن أنسى أبدا درس اليومين الماضيين ... لكم الله يا أهل غ....ز....ة !!!
بعد الحمد والشكر لله أولا،
ثم الشكر للإخوة :
الهاشمي جعبوب
نصر الدين حزام
أمين علوش
محمد بوسيف
عمار صوعاجي
ابراهيم خوجة
منير يعلى
فتحي
الطاقم الطبي للمستشفى الجامعي وهران
على كل ما قدموه بعد الحادث ...
القصة كالآتي،
يوم الجمعة الماضي، بعد صلاة الجمعة حضرنا الملتقى الوطني حول القضية الفلسطينية، الذي شارك فيه ، ضيف الجزائر، المجاهد الدكتور ( أسامة حمدان ) حفظه الله، عضو القيادة الوطنية لحركة المقاومة ح....م....اس، حيث قدم لنا، عرضا مفصلا عن :
*مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين،
*علاقة المسجد الأقصى بالمسجد الحرام،
*الإسراء والمعراج، ورمزية فرض الصلاة هناك،
*الكيد الصهيو - صليبي للأمة،
*الوضع في الأراضي المحتلة عموما وفي غزة على الخصوص،
*إصرار المقاومة على الاستمرار في أداء الواجب،
*حقوق فلسطين والمسجد الاقصى على الامة،
* متطلبات المرحلة الراهنة والمستقبلية
* الواجبات الملقاة على عاتق الأمة الإسلامية والبشرية تجاه ما يحدث هناك ...
خرجنا من الملتقى مفعمين بالحماس، مشحونين بمفردات المقاومة والجهاد والتضحية والإسناد ، عازمين على الاستمرار في الدعم، كلنا إرادة لحماية المقدسات والأوطان ... صور مآسي أهلنا في غزة تلاحقنا ...
مباشرة عند وصولي للبيت في اسطاوالي بالعاصمة، يأتيني خبر وفاة صهر أخي وهو في نفس الوقت صديق الوالد رحمهما الله ...
مع الاولاد قررنا أن نسافر صبيحة غد السبت إلى سطيف لحضور الجنازة ...
بعد صلاة فجر يوم السبت، ونحن نتأهب للذهاب إلى سطيف لحضور الجنازة، يأتيني خبر حادث أليم يتعرض له (إبن أختي هيثم ) في مدينة المحمدية بولاية معسكر ... تم على إثره نقله إلى مستشفى وهران في حالة جد حرجة ...
أنا بالعاصمة ... الجنازة شرقا في سطيف ... الحادث غربا في وهران ...
بدأت بالاتصالات مع إبن أختي آخر طبيب مختص في الأشعة لمتابعة الوضع ...
ثم إتصالات بالأصدقاء والاحباب في وهران الذين ذكرت أسماء ...
بعد وقت من التردد، هل نذهب إلى وهران للمستشفى، أم إلى سطيف للجنازة ... قررنا الذهاب الى سطيف بعد أن تأكدنا أن ( هيثم ) قد دخل مصلحة الاستعجالات في مستشفى وهران ولا يمكننا الآن فعل أي شيء هناك ...
حضرنا جنازة المرحوم ( الحاج عمار بن فرحات رزاقي ) رحمه الله، وعزينا أبناءه وأحفاده وأسباطه وكثير من معارفنا ...
بعدها كان لزاما علي المرور عند شقيقتي ( أم هيثم ) في مدينة رأس الوادي للوقوف إلى جنبها ...
رأيت حالتها وهي تتألم لما أصاب إبنها في الحادث الأليم ..
تابعت تساؤلاتها :
كيف هو الآن؟
هل هو يتألم؟
أم أنه في غيبوبة ؟
هل غيروا له الملابس ؟
هل أطعموه ؟
هل صحيح دخل المستشفى؟
هل يستطيع الكلام ؟
ماذا حدث لمرافقيه ؟
هل نذهب لزيارته ؟
قولوا لي الحقيقة كيف هو ؟
لعلكم تخفون عني شيئا ما ؟
ثم رأيت حال زوجها الذي كاد ينهار ...
وشقيقته التي امتلأت مآقيها دموعا ...
كنت أتابع بعيناي وأسمع بأذناي ذاك المشهد، في بيت شقيقتي ... عن (هيثم )المصاب في الحادث ... حاولت طمأنتهم،
قلت لهم : الحمد لله لقد إتصلت ببعض الأصدقاء وهم الآن في عين المكان يقومون بالواجب، فلا تبتئسوا ...
أنا أيضا أحب (هيثم) ولقد تألمت كثيرا لما سمعت بالحادث وعملت كل ما أستطيع من أجل إسعافه ...
ولكن أصدقكم القول:
في تلك اللحظات ومع أن جسدي كان في بيت شقيقتي، لمواساتها وطمأنتها، غير أن عقلي وقلبي وكل مشاعري كانت هناك ...
كانت مع مليونين ونصف مليون من أمثال (هيثم)، الذين لا يجدون من يواسيهم ،
من الرضع
والخُدَّج
والأطفال
والنساء
والشيوخ
لقد كنت أتنقل بين مناطق أعرفها، زرتها ثلاث مرات سنوات 2010 و 2012، رأيت في ذلك الوقت مخلفات الدمار الذي أحدثته آلة الحرب والظلم الصهيونية
المدعومة بالطغيان الغربي
والخذلان العربي،
والآن 2024، 2025 عام وشهرين، من حرب مسعورة تراها البشرية ولا تحرك ساكنا،
تدمير وحرق وتقتيل وتهجير،
الأمر أشنع وأبشع مما يتخيله الانسان،
أنا بجسدي على بعد آلاف الكيلومترات، ولكن روحي هناك،
بين الركام،
والاشلاء ،
في : رفح، دير البلح، خزاعة، غزة، بيت حانون، بيت لاهية، القرارة، بني سهيل، المغازي، جباليا، خان يونس ...
طيفي كان يتنقل بسرعة هائلة من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال ...
أنظر إلى تلك الأم التي جيء لها بإبنها، نصفه الأسفل قد انفصل عن نصفه الأعلى ولايزال يتحرك وفيه روح، هل تتمنى له الحياة أم تسأل الله له الشهادة،
أمٌّ أخرى تضع جنينها بين الاكوام،
أخت تضم شقيقها وتخفي رأسه بين أحضانها،
جدٌّ على إحدى ركبتيه الحفيد وعلى الأخرى السبط
رأيت ذاك الطفل الذي يتلاعب بأصابع أمه المخضبة بالدماء ...
ترى كيف فعل (روح الروح ) مع ( حفيدته روح روحه ) حين التقيا في البرزخ،
هل ضحكا معا وهما في النعيم أحياء عند ربهم يرزقون،
أم تراهم تبادلا نظرات الاشفاق عن حالنا نحن الاموات هنا المتخاذلون !
زارتني أطياف :
السنوار ، هنية ، العروري ... ومعهم ما يقارب 50 ألف شهيد معظمهم أطفال ونساء ...
رأيتم قد إلتقوا ب :
زبانة، بن بولعيد، بن مهيدي، زيغود، مليكة، حسيبة ... ومعهم خمسة ملايين شهيد جزائري ... ثم جاء القسام وياسين والمختار والبنا وابن باديس وآخرون كثر لا أعرفهم ... ذهبوا جميعا عند إمام الشهداء محمد عليه الصلاة والسلام كان معه الصديق والفاروق وذي النورين وحيدر وسمية وعمار وجعفر وأبو رواحة وزيد ... ، كانوا يتكلمون عن النعيم الذي هم فيه ... ثم بدؤوا يتكلمون عن :
الذين من خلفهم،
يستبشرون بمن يلحق بهم في قافلة الشهداء الذين نذروا أنفسهم ،
ثم يتكلمون عنا نحن الذين بقينا في هذه الدار، وقد لفنا العار وخذلنا وتخاذلنا ...
أحسست أنهم ينظرون إلي من وراء البرزخ،
لقد خجلت،
حاولت إخفاء وجهي من الحياء،
ولكنني كنت أسترق البصر نحو
عيونهم ووجوههم التي تشع بالنور والضياء ...
قال أحدهم : يا ليتهم يعلمون !
وقال آخر : ما كنت أظن أن يصير حال الأمة إلى هذا الحال
صوت آخر يقول لا بأس عليهم سوف يستفيقون قريبا...
لم أستطع أن أتحمل الموقف ورحت أردد :
"اللهم إنا نبرأ إليك من حولنا وقوتنا، ونلجأ إلى حولك وقوتك، فلا حول ولا قوة إلا بك، فأعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وكن لنا ولا تكن علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، لك مخبتين، إليك أواهين منيبين، ربنا تقبل توبتنا واغسل حوبتنا وأجب دعوتنا وثبت حجتنا واهد قلوبنا وسدد ألسنتنا واسلل سخيمة صدورنا " ...
حادث "هيثم" الذي تعافى بفضل الله وخرج من الخطر ... قفز بي بعيدا في الزمان والمكان... رسخ في أولويات الحياة التي تربينا عليها وتعاهدنا على أدائها ... أي قيمة للحياة حين يضيع الشرف ويهتك العرض وتصادر الأرض ويقتل الرضع ... رغم حالنا الذي لا يفرح صديق ومع ذلك :
سنبقى نتطلع إلى اليوم الذي تستعيد فيه الأمة دورها وتسترجع كرامتها وتستأنف حياتها ...
الجيل الذي قبلنا حرر البلدان من نير الاحتلال فوق الأرض...
وجيلنا نشر الوعي وحافظ على الإرث ومهد الطريق ...
والجيل الحالي والذي بعده سيستأنف الحياة ويحقق الريادة ... والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري