الدكتورعبد القادر سماري

المنشور طويل، أتمنى أن تقرأه كاملا لعل نفسك تحدثك بالبذل والعطاء، فتكون صدقة جارية وعلم نافع تنال به الأجر لك ولوالديك وذريتك ... وستجد في المنشور نكتة ولطيفة من لطائف الشيخ البشير الابراهيمي رحمه الله،

المنشور طويل، أتمنى أن تقرأه كاملا لعل نفسك تحدثك بالبذل والعطاء، فتكون صدقة جارية وعلم نافع تنال به الأجر لك ولوالديك وذريتك ... وستجد في المنشور نكتة ولطيفة من لطائف الشيخ البشير الابراهيمي رحمه الله،
يوم أول أمس الخميس كان مميزا جدا ... في سطيف ... جمع ثلة من الفضلاء من بجاية وسطيف وبعض القادمين من مختلف أرجاء وطننا الحبيب الجزائر ،
عبروا من خلاله عن هوية الشعب الجزائري،
كما يعبروا عن التقاليد الأصيلة فيه،
وعن وحدته وتعاونه وتضامنه وتكامله ...
كما كانت فرصة للقاء بعض الأحبة الذين غابوا عن أعيننا لأكثر من ثلاثة عقود ولكن يشهد الله لم يغيبوا عن قلوبنا ووجداننا ...
أصل الحكاية ...
قبل سنوات بادرت جمعية الإرشاد والإصلاح بشراء قطعة أرض في مدينة ( بجاية )، خصصتها لإقامة مركز (( للقرآن وعلومه وتربية النشء على آدابع وأخلاقه )) ،
تم وضع رؤية المركز ورسالته، والتصاميم والمخطط وشرع في البناء الذي قدرت تكاليفه ب :
مئتين وستون مليون دينار جزائري:
260.000.000 دينار
ثم جاء وباء كورونا فتوقف كل شيء عند إنجاز 15% من المشروع فقط ... ومنذ ذلك الحين والمشروع متوقف، لأسباب كثيرة ...
وقبل أسابيع أحيى القائمون على الجمعية الموضوع من جديد، وأقاموا لقاء في مدينة ( بجاية ) دعوا فيه أهل الخير والبر والإحسان من سكان الولاية لتعريفهم بالمشروع وحثهم على استكماله ... فتم تحصيل ما يقارب 6% من متطلبات المشروع ،
بعدها جاءت فكرة التنقل بالمشروع لمختلف ولايات القطر، وتوافق الجميع على أن تكون مدينة (( سطيف )) هي المحطة الأولى نظرا للجيرة والجوار والعلاقة التاريخية التي تجمع بين ساكني الولايتين، مع العلم أن معظم أقاليم ولاية بجاية الحالية كان تابعادة لولاية سطيف قبل التقسيم الاداري لسنة 1974 ...
وهكذا تم عقد لقاء يوم الخميس الماضي 16 جانفي 2025، في فندق
GOLDEN ROSE
بمدينة سطيف، دُعي له بعض النماذج من المحسنين وأهل الخير من رجال ونساء سطيف ...
عند الساعة الخامسة ، قبيل المغرب، بدأ المدعوون يتوافدون على الفندق، كنت حاضرا، صعدت إلى الطابق السابع، مع صديقنا العزيز صاحب الفندق الاستاذ ( يوسف خلوي) حفظه الله، الذي أعرفه منذ الصبا، لما كنا صغارا، وعلاقتي بوالده ( المجاهد عمي محمد الطاهر خلوي ) رحمه الله قديمة جدا، حدثت بيننا بعض المشاكسات بداية الثمانينات من القرن الماضي مع بقاء الأدب والاحترام المتبادل ، وكذلك معرفتي بإخوته ( نورالدين، ناصر، مصطفى - منير ) ترجع لأكثر من خمسين سنة، ولنا قصص مع كل واحد ليس هذا مجال ذكرها ...
المهم صعدنا الطابق السابع لمعاينة قاعة الاجتماعات، التي كانت مهيئة أحسن تهيئة ... ولكنني توجست خيفة، مخافة أن لا تسع للحضور، وفي تلك الأثناء بدأ الهاتف يرن، كل الاتصالات كانت من بعض المدعوين الذين اعتذروا عن الحضور كل واحد له عذره الخاص، وكأنه أوحي إليهم بما كنت أحدث به نفسي عن سعة القاعة، ولكن الجميع وعد خيرا ...
قبيل آذان المغرب كان القاعة ممتلئة عن آخرها ...
وحيث أنه يوم خميس، وشهر الله الحرام ( رجب ) فالكثير من الحضور كانوا صائمين، فهيأ لنا طاقم الفندق مستلزمات الفطور من ( تمر وتوابعه ) وقبل الصلاة استمعنا لابتهابات ودعوات من الشيخ (ابراهيم بودوخة) حفظه الله ، ثم صلى بنا المغرب ... وبعدها انطلق برنامج اللقاء الذي افتتح بقراءة آيات من كتاب الله العزيز الحكيم ثم النشيد الوطني ...
وبعدها جاء عرض (( المشروع )) ،
مكان المشروع مدينة بجاية ،
المساحة الارضية 960 متر مربع،
قاعات التعليم، قاعة المحاضرات، سكنات للطلبة وللقائمين على المشروع، مطبخ، مطعم، فضاءات للراحة، مرأب للسيارات ...
استغلال عقلاني لكل شبر من الأرضية ...
ثم جاءت كلمات بعض الحضور،
من بينهم الاستاذ ( المكي قسوم ) رئيس جمعية الإرشاد والاصلاح، الذي صالح وحال بنا في أهداف الجمعية، وكيف بدأ المشروع، ومراحله المختلفة،
ثم كلمة الاستاذ ( سليم تشير ) رئيس المكتب الولائي لولاية سطيف للجمعية، ثم كلمة الاستاذ ( يوسف دحماني ) من بجاية والمشرف على متابعة المشروع،
لم أكن متهيء للكلام، ولكن القائمين على الملتقى طلبوا مني ذلك، فتبادر إلى ذهني التاريخ الناصع لحواضر الاسلام خلال القرن الخامس والسادس والسابع والثامن الهجري ( القرون 12، 13، 14، 15 ... الميلادي ) وبجاية ( الناصرية ) واحدة من تلك الحواضر التي كانت تشع على العالم، حتى أن ملوك بعض الامارات الأوروبية كانوا يبعثون أبناءهم وبناتهم يتعلمون، في مدارسها وجامعاتها، مختلف الفنون والآداب وتحصيل اللغة العربية التي كانت في ذلك الوقت هي لغة العلم والمعاملات التجارية والثقافية والدبلوماسية، وذكرت الحضور بما قال الشاعر عن بجاية :
دع العراق و بغداد و شامهما فالناصرية ما ان مثلها بلد
بر و بحر و موج للعيون به مسارح بان عنها الهم و النكد
حيث الهوى و الهواء مجتمع حيث الغنى و المنى و العيشة الرغد
و النهر كالصل و الجنات مشرفة و النهر و البحر كالمرآة و هو يد
فحيثما نظرت راقت و كل نواحي الدار للفكر للابصار تتقد ...
وختمت كلمتي : بأن هذا الصرح لن يكون فقط لخدمة الجزائر والشعب الجزائري بل سيكون منارة للبشرية كلها تستضيء به مما هي فيه من تيه وتخبط ...
ثم كانت كلمة الشيخ ابراهيم بودوخة، الذي أثنى على أصحاب المشروع والقائمين عليه، وأجاد وأفاد في كلامه عن القرآن ومكانته ودوره في إحياء الأمة والارتقاء بها إلى المعالي، وحث الحضور على البذل والعطاء ... وعن العلاقة بين سطيف وبجاية ذكرنا بزيارة الشيخ البشير الابراهيمي، رحمه الله، إلى بجاية في بدايات إنطلاقة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومن باب النكتة والطرفة، في كلمة الشيخ البشير وهو يخاطب أهل بجاية مما قال :
زيادة علاقة الإخوة الدينية واللغوية جئناكم من سطيف لنصبح نسايب وأصهار، جئنا نخطب ( يما قوراية ) ل ( سيدي الخير ) ومنذ ذلك الحين أصبح الناس يتداولون مقولة أن : البجاوية أخوال السطايفية ...
بعد هذا العرض تم توزيع قسيمات الاكتتاب على الحضور، ثم جمعها وتقديم النتيجة النهائية للوعود ...
والمحصلة النهائية تثلج الصدر ولكنها لا تكمل المشروع،
لقد وعد الحضور الكرام بدعم المشروع بما يقارب : 22% من قيمة المشروع، نقدا وعينا من أدوات البناء والتجهيزات والوسائل المختلفة ... هذا دون احتساب الوعود التي أبلغنا بها بعض السادة الذين اعتذروا عن حضور اللقاء ...
أما من جهة أخرى فلقد كانت فرصة طيبة، أن جمعتنا الأقدار في هذا اللقاء بأصدقاء قدامى جاؤوا من بجاية كانت لنا بهم علاقة حب وود وأخوة وعمل دعوي أذكر من بينهم على الخصوص :
الاستاذ عبدالحميد حمودة ( أبو نجم ) حفظه الله،رجل من رجال بجاية الاكارم، تعارفنا بداية التسعينات من القرن الماضي في مكة المكرمة، وكان وقتها يشتغل في مدينة (جُبَيْل) بالسعودية، قدمه لنا الاستاذ ( عبدالباقي بلفار ) الذي كان يشتغل في مجال الفلاحة بالمملكة أيضا، وكان حاضرا أيضا في لقاء سطيف أول أمس الخميس،
ومن الحضور من بجاية أيضا الأستاذين الفاضلين :
داوود اسطنبولي ، يوسف دحماني حفظهما الله، اللذان كانت لي بهما علاقة عمل ودعوة وتربية وتكوين أواخر الثمانينات من القرن الماضي، استرجعنا ذكريات اللقاءات عندهم في بيوتهم في بجاية، وفي سطيف وفي عنابة وفي العاصمة، تلك الأيام التي لو خصصت لها كتبا لجاءت في أسفار من مئات الصفحات ...
كما حضر اللقاء الكثير من الأحباب والأصدقاء من العاصمة وبرج بوعريريج وسطيف وبجاية ...
أتمنى أن تكون اللقاءات القادمة في باقي الولايات صورة أخرى من صور الجمال والتكامل والتعاون الجزائري ...
بمثل هذه الأعمال نُقيم ديننا ونَحفظ وطننا ونُسعد شعبنا ونحقق وحدتنا ونفرح أحبابنا ونغيظ أعداءنا ويستبشر بنا في القبور شهداؤنا ومجاهدونا وننال مرضاة ربنا ونجاور حبيبنا على صلوات وسلام ربنا ... والله من وراء القصد .
د. عبد القادر سماري