أكثر من أربعين سنة من الصداقة والعلم والعطاء والتواصل المستمر ...
أكثر من أربعين سنة من الصداقة والعلم والعطاء والتواصل المستمر ...
كانت أمسية طيبة، بل كانت أمسية استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حين شرّفني في بيتي بمدينة سطيف ثلة من الأصدقاء والزملاء الذين جمعتنا بهم مقاعد الدراسة الجامعية في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ثم جمعتنا قاعات المحاضرات ومخابر البحث، وقاعات المناقشات العلمية لمختلف الأطروحات في تخصصات الكيمياء والكيمياء الكهربائية والكيمياء التحليلية وكيمياء البلورات والكيمياء العضوية والطاقات المتجددة ...
كانت جلسة حميمية دافئة، استعدنا فيها ذكريات البدايات، وتبادلنا أخبار المسارات العلمية والمهنية، وتحدثنا عن أحوالنا وأحوال الأبناء والأحفاد، ولم ننسَ بالطبع أحوال الجزائر ومستقبلها، وما يختلج في صدورنا من آمال وتطلعات بشأنها.
وقد زاد اللقاء جمالاً أن بعض الأصدقاء قدموا من خارج الوطن، ومنهم من جاء من مونتريال بكندا ومن ستراسبورغ بفرنسا، لتؤكد هذه الزيارة أن المسافات مهما اتسعت لا تستطيع أن تقطع حبال المودة والصداقة التي نسجتها سنوات طويلة من العشرة والعمل المشترك.
وكان من بين الحاضرين:
- الأستاذ الدكتور جعفر بن عاشور، الذي كان مدير معهد الكيمياء الصناعية، ثم مدير جامعة سطيف، ثم مستشاراً لدى وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو أحد النوابغ في مجال كيمياء البلورات.
- الأستاذ الدكتور علي أوراري، وهو غني عن التعريف فله مسارات في الكيمياء العضوية.
- الدكتور حسين جلاب، القادم من كندا، وصاحب ورشات عمل هناك، والمتخصص في الكيمياء الكهربائية العضوية ومعالجة الاسطح.
- الدكتور مبارك بن تهامي، القادم من ستراسبورغ والذي له أبحاث في الكهروكيمياء .
- الدكتور العربي زروال، المتخصص في كيمياء البطاريات.
- الدكتور كحول عبد الكريم، المتخصص في الكهروكيمياء.
امتد اللقاء من صلاة العصر إلى صلاة المغرب، ولم نشعر بمرور الوقت؛ فقد كانت الأحاديث تتنقل بسلاسة بين ذكريات الماضي، وتجارب الحاضر، وتطلعات المستقبل. تبادلنا الأشواق واسترجعنا المواقف، واستحضرنا محطات من مسيرتنا العلمية والإنسانية، وكأننا نعود للحظات إلى مدرجات الجامعة ومخابرها، وإلى تلك الأيام التي كانت فيها الأحلام كبيرة والطموحات أكبر.
والجميل في هذه المجموعة أن جميعنا قد أحيل على التقاعد بعد سنوات طويلة من العمل والبحث والمسؤوليات، لكن التقاعد لم يكن بالنسبة إلينا نهاية العطاء، ولا يعني التوقف عن الإنتاج أو الانشغال بالشأن العام. فما زال هؤلاء الأصدقاء يقدمون الكثير، كلٌّ من موقعه وفي مجال اهتمامه، من خلال التأطير والتكوين، وتوجيه الشباب، والمشاركة في اللقاءات العلمية والفكرية، والكتابة، ومرافقة الباحثين، ومناقشة الأطروحات وتصويبها.
إنها قناعة راسخة بأن العطاء لا يرتبط بمنصب ولا بسنوات الوظيفة، وأن الإنسان لا يتقاعد عن العلم والفكر وخدمة المجتمع ما دام قادراً على البذل والإسهام.
أكثر من أربعين سنة جمعتنا فيها مقاعد الدراسة، ووحّدتنا فيها مسارات البحث والعمل، وحفظت بيننا صداقة صمدت أمام تقلبات الزمن وتباعد الأمكنة. واليوم، ونحن نستعيد تلك الذكريات، ندرك أن أجمل ما جنيناه من سنوات الجامعة لم يكن الشهادات والمناصب وحدها، بل كان أيضاً هذه الصداقات الصادقة، وهذه الروابط الإنسانية التي بقيت حية ومتجددة.
شكراً لأصدقائي الأعزاء على هذه الزيارة الكريمة، وعلى أمسية أعادت إلينا شيئاً جميلاً من عبق الشباب ودفء البدايات ... كنا نتمنى لو حضر معنا الآخرون الذين رافقونا في مسيرتنا العلمية والذين لهم في القلب مكانة أذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر : الدكتور فاروق تجار، الدكتور نساخ بلقاسم، الدكتور نصر الدين شلالي، الدكتور العيد مخلوفي ... والاستاذات اللاتي كنّ معنا في نفس المعهد ... اعتذر عن ذكر الاسماء ...
حفظكم الله جميعاً، وأدام بيننا المحبة والمودة، وجعل ما بقي من أعمارنا امتداداً لما مضى من عطاء، وفتحاً لأبواب جديدة من العلم والعمل وخدمة الوطن.
فبعض الصداقات لا تشيخ، وبعض العلاقات لا تنتهي بانتهاء المراحل، وبعض اللقاءات تعيد إلينا أجمل ما في الحياة... رغم أن السنين قد فعلت فينا فعلتها ... والحمد لله ... وإلى لقاءات أخرى ... والله من وراء القصد ...
د. عبدالقادر سماري