الدكتورعبد القادر سماري

حين تكون البصيرة حاضرة، ويغيب الانقياد !

حين تكون البصيرة حاضرة، ويغيب الانقياد !
وصلتني رسالة من أخوين كريمين، تضمّنت دعوة إلى معالجة بعض الأمور ...
قبل أن تصلني الرسالة، كنت أراجع سورة العنكبوت، فلما وصلتني الرسالة وفتحتها وبدأت قراءتها، عندنا وصلت إلى إحدى فقرات الرسالة قفزت إلى ذهني آيةٌ مما كنت أقرأ من سورة العنكبوت ،
هي قوله الله تعالى:
﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾
[العنكبوت: 38].
استوقفتني خاتمة الآية: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾.
أي كان عندهم علم وبصيرة وفهم وعقل،
رحت اتسائل:
كيف يكون الإنسان مستبصرًا، ثم ينحرف؟ وكيف يمتلك القدرة على التمييز، ثم لا يسلك طريق الحق؟ وكيف يعرف المرء، أو يُتاح له أن يعرف، ثم تحول بينه وبين الصواب حواجز لا يراها، أو لا يريد أن يراها؟
دفعتني هذه الأسئلة إلى الرجوع إلى أقوال المفسرين والعلماء، قديمًا وحديثًا، فوجدت في معنى الآية ما يستحق الوقوف والتأمل.
وخلاصة ما وقفت عليه أن ( عادا وثمود ) لم يكونوا فاقدين للعقل أو عاجزين عن إدراك الحق؛ بل كانوا ذوي بصيرة ومعرفة، وقد قامت عليهم الحجة، ومع ذلك لم تنفعهم تلك البصيرة، لأن الشيطان زيّن لهم أعمالهم، فصرفهم عن سبيل الله.
وهنا تكمن إحدى أخطر آفات الإنسان: أن يرى ولا يعتبر؛
وأن يعلم ولا يعمل؛
وأن يمتلك من البصيرة ما يكشف له الطريق، ثم لا يمتلك من صدق الإرادة ما يحمله على سلوكه.
إن المشكلة ليست دائمًا في غياب المعرفة، ولا في انعدام النصيحة، ولا في عدم وضوح الطريق؛ فقد تكون المشكلة في النفس حين تستثقل الاعتراف بالخطأ، وفي الهوى حين يتقدم على الحق، وفي المصالح حين تصبح أغلى من المبادئ، وفي الشيطان حين يزيّن للإنسان عمله حتى يراه صوابًا، ويدافع عنه وكأنه يدافع عن الحق نفسه.
وكم هو مؤلم أن يصل الإنسان إلى مرحلة يختلط فيها عليه الدفاع عن الحق بالدفاع عن نفسه او الدفاع عن مجموعته، وأن يصبح التراجع عن الخطأ في نظره هزيمة، والاعتراف بالحقيقة ضعفًا، ومراجعة المواقف انتقاصًا من قدره!
والحقيقة أن الشجاعة ليست في الإصرار على الموقف، وإنما في القدرة على مراجعته حين يظهر خطؤه؛ وليست البصيرة في أن نرى ما يؤيدنا فقط، بل في أن نرى الحق حتى عندما يخالف أهواءنا وحساباتنا ومصالحنا.
وما أحوجنا، ونحن نتعامل في مختلف مجالات الحياة، فنختلف في الرأي والاجتهاد والتقدير، إلى أن نتذكر أن الإنسان مهما بلغ علمه ومقامه ومكانته ومنصبه، يظل محتاجًا إلى النصح، وإلى من يلفت نظره إلى ما قد يغيب عنه، وإلى أن يسأل نفسه بصدق: هل أبحث عن الحق فعلًا، أم أبحث عما يؤكد أنني على حق؟
إن الرسالة التي تصلنا من أخ ناصح قد تكون بابًا للمراجعة، وكلمة العتاب قد تكون فرصة للإصلاح، والملاحظة التي لا توافق رغبتنا قد تحمل في طياتها خيرًا لم ننتبه إليه.
فليس كل من خالفنا يريد بنا سوءًا، كما أنه ليس كل من وافقنا يريد بنا خيرًا.
ولذلك، فإن من علامات التوفيق أن يرزقنا الله قلوبًا تتسع للنصيحة، وعقولًا لا تستكبر عن المراجعة، ونفوسًا لا تجعل كرامتها في الانتصار لرأيها، بل في الانتصار للمصلحة العامة والحق الثابت.
لا خوف على الإنسان من قلة العلم بقدر ما يكون الخوف من أن يحسب أنه يعلم كل شيء؛ وليس الخوف عليه من الخطأ، بقدر ما يكون الخوف عليه من أن يفقد القدرة على اكتشاف خطئه والاخطر أن يكتشف الخطأ ويعاند بعدم الرجوع عنه،
ولعل من أعظم ما نتعلمه من هذه الآية أن العقل والذكاء وحدهما لا يكفيان إذا لم يصحبهما صدق ، وتواضع ، وقبول، واستعداد للمراجعة.
فالهداية ليست مجرد أن تعرف الطريق وتتكلم عن مميزاته وخصائصه، وإنما أن يوفقك الله للسير فيه والثبات عليه والعمل بمقتضياته ... ولذلك لم تكن فتنة بني إسرائيل الجهل وعدم العلم إنما فتنتهم أنهم عرفوا الحق ثم اعرضوا عنه، وهذا ما أشار إليه الله في عدة مواضع من كتابه لِيُلْفِت إنتباهنا (( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم )) ... هي دروس في الحياة ...
اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تقبل الحق إذا ظهر لها، ونعوذ بك من أن نزيّن لأنفسنا أخطاءنا، أو نصرّ على باطل لأن الاعتراف به يؤلم كبرياءنا.
اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعل أهواءنا حجابًا بيننا وبين الحق، ولا تجعلنا ممن استبصروا ثم ضلوا، وعرفوا ثم أعرضوا ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري