Écriture
Écriture
بالأمس، صلّى بنا الإمام صلاة العشاء، في الركعة الاولى قرأ بآياتٍ من أواخر سورة القصص، في الركعة الثانية آيات من بداية سورة العنكبوت.
بعد الصلاة تقدّم مني أحد الشباب، وقال لي: أتمنى أن تكتب لنا منشورًا حول هذه الآية الكريمة:
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾.
قلت له : إن شاء الله سأحاول.
رجعت الى البيت، تأملتُ هذه الآية، فوجدت فيها من معاني الثقة بالله، واليقين بوعده، والسكينة أمام تقلبات الحياة، ما يبعث الأمل في القلوب ...
نزلت هذه الآية على النبي ﷺ في سياق مفارقته مكة المكرمة متجها نحو المدينة المنورة، وقد غلبه الشوق والحنين الى مسقط رأسه الذي خرج منه وهو يحمل رسالة عظيمة، ويواجه طريقًا مليئًا بالابتلاءات والتحديات، لا يعلم ما ينتظره هناك فالغيب لله وحده ، فجاءته المواساة وجاءه وعد الله بأن الذي أنزل عليه القرآن، واصطفاه لحمله وتبليغه، سيرده إلى معاد ...
أختلف المفسرون ف (( معاد )) :
* هل يرده الى مكة وهذا ما حدث
* أم يرده الى لقائه في الفردوس الاعلى وهذا ما سيكون ...
المهم أن هذه الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المحن والمشاق، وهي تسلية لكل مؤمن ينتهج نهجه ويتبع طريقه عليه الصلاة والسلام ...
ما أعظمها من رسالة! حين تضيق الطرق، وتشتد المحن، وتبدو النهايات بعيدة، يبقى وعد الله أوسع من كل ضيق، وتدبيره أعظم من كل تقدير بشري.
ثم يأتي التوجيه الإلهي: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾؛ وكأنها دعوة لنا ألّا نستنزف طاقاتنا في الجدل، ولا نجعل أحكام الناس مقياسًا للحق، ولا تستوقفنا الملهيات، ولا توقفنا العقبات، ولا تصدنا العوائق ... فلله الامر من قبل ومن بعد، وله الحكم والفصل بين العباد.
كم نحتاج إلى أن نعيش بهذه المعاني! نمضي في الطريق مطمئنين، نؤدي واجبنا، نقدم الاسباب تَعَبُّدّا لِرَبِّ الاسباب، حتى الاسباب لا ننتظر منها شيئا، ونصبر على الابتلاء، ونترك لله ما لا نملك تغييره، مؤمنين بأن العاقبة بيده، وأنه لا يضيع أجر من أحسن عملًا ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري