ثلاثة نماذج من خيرة الرجال ينتقلون إلى رحمة الله ... تركوا آثارا طيبة، هكذا عرفناهم ولا نزكي على الله أحدا :
ثلاثة نماذج من خيرة الرجال ينتقلون إلى رحمة الله ... تركوا آثارا طيبة، هكذا عرفناهم ولا نزكي على الله أحدا :
في يوم واحد، تتوالى أخبار الرحيل، وتتعاقب مشاعر الحزن، وتعود بنا الذاكرة إلى رجال عاشوا للإيمان والدعوة والتربية وخدمة الناس.
بالأمس، وصلنا خبر وفاة الشيخ المربي عيسى السايح رحمه الله. ومن باب الوفاء، كتبنا شيئًا من سيرته العطرة، ثم قصدنا ولاية البويرة لحضور جنازته بمدينة سور الغزلان، فكانت جنازة مهيبة، حضرها جمع غفير من مختلف البلديات والولايات، والكل يلهج بالدعاء له ويذكر مناقبه وآثاره الطيبة.
وفي خضم ذلك المشهد، وصلنا خبران آخران: الأول من مدينة الجلفة، والثاني من مدينة المسيلة؛ خبر رحيل رجلين عزيزين، تمنيت لو استطعت حضور جنازتيهما، لكن الأقدار لا تنتظر أمنياتنا.
الأول: الأستاذ الشيخ المربي عبد الباقي رابحي، رحمه الله.
عرفته منذ أكثر من ثلاثين سنة، داعيةً ومربيًا، وفارسًا من فرسان المنابر، متمكنًا من اللغة العربية واللغة الإنجليزية. كان أول رئيس لمكتب جمعية الإرشاد والإصلاح بولاية الجلفة، ثم أول رئيس لمكتب حركة المجتمع الإسلامي بالولاية عند تأسيسها.
كان له دور ريادي في نشر منهج الوسطية والاعتدال، ومواجهة الغلو والتطرف بالفكر والتربية والحوار. ومن شواهد عطائه جلساته الدعوية التي احتضنها مسجد السعادة في السنوات الأخيرة، واستضاف خلالها عددًا من رواد الدعوة والإصلاح.
ولن أنسى إحدى الجلسات في مدينة الجلفة بداية التسعينات من القرن الماضي، حيث استضافنا أحد الإخوة في بيته وكانت الجزائر في مخاض وتحولات كبرى، كان موضوع اللقاء ترتيبات تنظيمية وبعض القضايا الخاصة بالمستجدات على الساحة الوطنية المتسارعة ... ، ويبقى الحديث ذو شجون ، وخاصة ما تحمله الذاكرة عن أيام جمعتنا على هموم الدعوة والوطن والأمة ونحن في بداية الطريق .
رحل الشيخ عبد الباقي عن عمر يقارب السبعين سنة ، ونحن نشهد أنه بذل جهدًا في خدمة دينه ووطنه وأمته، ونسأل الله أن يتقبل منه، ويغفر له، ويجعل ما قدّمه في ميزان حسناته.
أما الرجل الثاني: الدكتور محمد شاكر، رحمه الله.
عرفته أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، حين كان طالبًا بكلية الطب بجامعة سطيف، وكنت حينها مديرًا للدراسات العليا بمعهد الكيمياء الصناعية. عرفته طالبا مواضبا، وشابا خدومًا، بشوشًا في تعامله، حاضرًا في الدروس المسجدية، مشاركا في مختلف النشاطات، ولا سيما أيام المعارض السنوية التي كانت تقام بجامعة سطيف، وكثيرا ما كان يزورني مع إخوانه الطلبة في بيتي، فكانت جلسات ندندن فيها حول الصلاح والإصلاح ... لن أنسى تلك المجموعة الطيبة من شباب ذاك الزمان وكلهم الان كهولا أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر : الدكاترة والاساتذة (( عمار مبارك منصوري، زكريا، خالد، عبدالرحيم قيطوم، صالح ، زهير حنوف، عبدالحليم سماري، عزالدين مراد، مسعود ذوايبية ، عبدالحكيم العيهار، شعبان، ... )) وآخرون، فمعذرة للذين لم أذكر أسماءهم فالله يذكرهم عنده ويعافيهم خير الجزاء ...
رحل الدكتور محمد وهو في أوج العطاء، عن عمر لم يتجاوز الثامنة والخمسين؛ فكم من آمال كانت تنتظر، وكم من خير كان يمكن أن يمتد، لكن لكل أجل كتاب.
رحم الله الرجال الثلاثة، وجعل قبورهم رياضا من رياض الجنة، وأكرم نزلهم، ورفع درجاتهم، وجزاهم عن دعوتهم وتربيتهم وخدمتهم للناس خير الجزاء.
إن رحيل هؤلاء وامثالهم يذكّرني بأن الأعمار مهما طالت قصيرة، وأن الذي يبقى حقًا هو الإيمان الصادق، والعمل الصالح، والأثر الطيب في حياة الناس.
لقد أخبرني من حضر جنائز الأخوين الكريمين ، في الجلفة والمسيلة، بأنهما كانتا مثل تلك التي حضرتها في البويرة من حيث الحضور والأجواء الإيمانية والدعوات التي رفعت ...
لمثل هذا اليوم وما بعده على كل عاقل وحكيم أن يستعد ويتهيأ ..
اللهم لا تقبضنا إليك إلا وأنت راضٍ عنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، وارزقنا من يذكرنا بعد رحيلنا بدعوة صادقة وعمل صالح ... والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري