بين الحاضر والماضي،
بين الحاضر والماضي،
تحت ظلال معرض الكتاب،
أمس، السبت، يممت وجهي نحو قصر المعارض لزيارة معرض الكتاب للمرة الثانية في هذه الطبعة 28،
كان لي موعدا مع بعض الأصدقاء القادمين من مدينة بوسعادة وعلى رأسهم الأستاذ محدادي بوزيد وبعض مرافقيه،
تجولنا في أنحائه، وقفنا عند بعض دور النشر، وكانت لنا جلسات مع بعض الأحباب والأصدقاء من بينهم الاستاذ الدكتور عبدالحليم قابة رئيس جمعية العلماء المسلمين، والشيخ محمد مكركب، والاستاذ الهادي الحسني، والاستاذ سعيد إزري،
كانت أيضا جلسة عابرة مع أستاذين من جامعة البويرة تبادلنا أطراف الحديث عن الوضع العام وعن هذا الزخم الشعبي وكيفية الاستفادة من هذا الكم الهائل من الشباب ... خلال تجوالنا كانت لنا لقاءات مع العديد من الأساتذة والطلبة يتعذر ذكر جميع أسمائهم، فلهم مني كل الاعتذار ...
ثم كان اللقاء مع الاستاذ النائب ( محمد مشقق ) الذي أهدانا كتابه الموسوم ب:
( حكايتي تشبهك ... ما دمت لم تستسلم )،
ثم ودعت ضيوفي وقفلت راجعا إلى البيت، فاغتنمت فرصة فراغي فجلست مع كتاب السيد النائب ( محمد مشقق ) فقرأته كله ، وهو كتاب صغير الحجم حري بالمطالعة، يروي فيه صاحبه مقاطع من حياته، كيف وُلد يوم وفاة والده رحمه الله، وكيف كانت والدته رحمها الله تبعث فيهم الشجاعة والامل والصبر هو وإخوته الاربعة، إلى غاية الفراق ، وكيف تدرج في مساره الدراسي من الابتدائي إلى الثانوي إلى الجامعي في بومرداس، ثم تجربته في الصحراء وبعدها في الاعلام ليصل الآن إلى البرلمان، وكيف مثل الجزائر في العديد من المحافل الدولية، ليختتم كتابه بعشر نصائح يمكن أن تكون نبراسا يهتدي به كل شاب
بعض مفاصل حياته تشبه بعض ما مررت به في حياتي ...
وأنا مع أجواء المعرض والكتاب رجعت بي ذاكرتي إلى تاريخ بعيد، إلى سنة 1981، حيث عقد أول معرض للكتاب بالجزائر ،
كانت قصتي معه ذات معاني، كنا وقتها شباب، كنا شغوفين بالقراءة والكتابة، وكنا نبحث عن مصادر المعرفة من كتب ومجلات ومجالسة أهل العلم والتجربة، لم تكن هناك مكتبات، المجلات تأتي من الخارج وفي كثير من الأحيان تصلنا بطرق غير قانونية،
في تلك الأثناء ونحن طلبة في جامعة سطيف سمعنا بانه سيكون معرض الكتاب في الجزائر العاصمه،
احد الاصدقاء جاء إلى الجامعة من العاصمه ومعه قوائم لدور النشر والعارضين ، كانت معه قوائم الكتب والمجلات الخاصة بكل دار ، وبدأ كل واحد يحدد الكتب الذي سيشتريها والدار التي تنشرها والدار الاي تعرضه،
ومع فجر احد الايام خرجنا من جامعة سطيف استقلينا القطار وجهتنا الى العاصمه، كان الموعد في الحي الجامعي ( بوراوي ) بالحراش، ومنه انطلقنا إلى قصر المعارض،
كان العرض في القاعة المركزية فقط ، ليس مثل الان حيث توجد عدة أروقة في الداخل والخارج بالإضافة إلى الخيم،
الآن كل شيء سهل،
في ذلك الوقت
كان الدخول صعب جدا، كنت نحيفا صغيرا، واقفا في الطابور وزحمة كبيرة جدا، فإذا بأحد الجنود في زيه العسكري يقترب مني ويخرجني من بين الجموع ،
قال لي : من اين اتيت،
قلت له من سطيف
قال لي تعالى أدخل والا ستموت في هذه الزحمة،
دخلت معه إلى قاعة المعرض ثم تعارفنا، حفظت إسمه الاستاذ ( توهامي عبدالحكيم ) كان في الخدمة الوطنية ، هو من برج بوعريريج، وتشاء الأقدار أن تصبح بيننا علاقة محبة وود وأخوة تستمر إلى الان، بل أنني كلمته وانا أكتب هذا المنشور ...
وبدانا نتجول بين دور النشر لنقتني الكتب التي نريدها، اشتريت الكثير من الكتب بما أحمل من مال على حساب أشياء أخرى ، ومن بين هذه الكتب، كتابا كنت أبحث عنه، هو كتاب أبي بكر ابن العربي المالكي الاندلسي، كتاب ( أحكام القرآن ) في أربع مجلدات، كنت مولعا بهذا الكتاب، هو ليس كتاب تفسير ، يتناول التفسير ولكنه كتاب أحكام، يستنبط الامام من كل آية الأحكام المترتبة عنها، وتشاء الأقدار بعد أربع سنوات أن يكون هذا الكتاب ( مهر "صداق" زواجي ) ولهذا الأمر قصة .
المهم قضينا عدة أيام في المعرض، كنا نبيت في الحي الجامعي عند الاخ عمار حميطوش كان زميلي في الثانويه وعند الاخ الهاشمي طلحي، ،
في ذلك المعرض تعرفت على العديد من الطلبة والأساتذة، أذكر منهم زيتوني مختار، عبدالرحمن سيناطور، العيد من الوادي، وآخرون ، منهم من قضى نحبه رحمهم الله ومنهم من لا يزال على قيد الحياة حفظهم الله ... بعضهم لا نزال في تواصل وتعاون على أوجه البر والخير منذ ذلك الوقت،
والآن تمر 44 سنة عن ذلك الموعد ... كأنها يوم او بعض يوم،،،، بل هي بعض ثوانٍ ...كنا في مقتبل العمر وها نحن نسير رويدا رويدا نحو نهايته ... نصيحتي للشباب اغتنموا شبابكم قبل هرمكم، وفراغكم قبل شغلكم، وصحتكم قبل مرضكم ... العمر قصير ... عليكم بالعلم ومختلطة الصالحين... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري










