الدكتورعبد القادر سماري

خطوة مشكورة لاستكمال مسيرة الكرامة والشرف ...

خطوة مشكورة لاستكمال مسيرة الكرامة والشرف ...
مشكور كل من بادر ... ومن وافق ... ومن أعطى الضوء الأخضر ...
لنؤكد أن الاستدمار الفرنسي للجزائر لم يكن حادثًا عابرًا في كتب التاريخ، بل جرحًا غائرًا في جسد الأمة، امتدّ 132 سنة من القتل المنهجي، والإبادة الجماعية، والتهجير القسري، ومحو الهوية، وتفكيك الإنسان والأرض معًا.
جرائم لا تسقط بالتقادم، ولا تُمحى بالصمت، ولا تُغسَل بخطابات المجاملة.
وأخيرًا، بعد محاولات متكررة، وبعد طول انتظار، يُرسّم باب تجريم الاستعمار الفرنسي تشريعيًا. خطوة متأخرة، نعم، لكنها ضرورية، ومشكور كل من ساهم فيها، لأنها إعلان رسمي بأن الجزائر لا تنسى، ولا تساوم على دماء شهدائها، ولا تقبل تبييض صفحة سوداء يندى لها جبين الإنسانية.
رحم الله الشهداء جميعًا:
من أُحرقوا أحياء، ومن خُنقوا في الكهوف، ومن قُتلوا جماعيًا بلا ذنب سوى أنهم جزائريون مسلمون.
رحم الله النساء، والأطفال، والشيوخ، والمستضعفين.
رحم الله ضحايا التهجير القسري داخل الوطن وخارجه، وضحايا التفجيرات النووية التي لوّثت الأرض والإنسان.
رحم الله شهداء 1845, وشهداء 1945، وشهداء المظاهرات السلمية الذين أُلقي بهم في نهر السين،
ورحم الله من حُشروا خلف الأسلاك الشائكة في الرمال،
ورحم الله شهداء ثورة نوفمبر المباركة، وقبلهم شهداء المقاومات الشعبية،
وشهداء السجون، والمعتقلات، والتعذيب الممنهج.
ولن أنسى شهداء ومعاناة كل قبيلة أولاد تبان أثناء الترحيل القصري في صائفة 1958
منهم ما يقارب 750 طفلا...
واسمحوا لي أن أقول رحم الله الحيوانات والمواشي الذين أبيدوا في القرى والمداشر ...
إن تجريم الاستعمار بعد تأكيده في البرلمان ،
يجب أن يتبع بقرارات سيادية شجاعة، تُنهي بقايا الهيمنة التي ما تزال تعشعش بيننا بأسماء أخرى.
وأول هذه البقايا: هيمنة اللغة الفرنسية.
فلا يعقل، ولا يُقبل، ولا يُبرَّر أن تبقى لغة المستعمِر سائدة في الكثير من المؤسسات والمعاملات، بعد أكثر من ستة عقود من استرجاع السيادة.
لغة غير دستورية، وغير قانونية، تُفرض بحكم العادة والكسل والتقليد ، لا بحكم الشرعية.
إن تعميم اللغة العربية، وتفعيل القوانين ذات الصلة، ليس مسألة لغوية فقط،
بل مسألة سيادة، وهوية، وقطع نهائي مع التبعية،
ثم إن محو آثار الاستعمار لا يكتمل إلا بـ نهضة جزائرية شاملة:
نهضة علمية تحرر الجامعة والمؤسسات البحثية من التبعية.
نهضة اقتصادية تبني قرارًا مستقلًا وعملا دؤوبا.
نهضة ثقافية تعيد الاعتبار للذات الجزائرية بكل مكوناتها.
ونهضة سياسية تجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
وأقوى عملية ضد المستدمر هو أن تكون هناك نهضة شعبية ووعي عام تمحي لغة المستعمر من لافتات وعناوين المحلات والمراكز ....
تجريم الاستعمار خطوة أساسية في مسيرة طويلة من خطوات بناء المستقبل.
فالجزائر التي هزمت أعظم آلة استعمارية بالسلاح والإيمان والوحدة،
قادرة اليوم أن تهزم بقايا الاستعمار بالعلم، واللغة، والقرارات السيادية الحرة في جميع الميادين ... ومن أدام طرق الباب فتح له ... ومرة أخرى الشكر لله أولا ثم الشكر لكل من شارك بالاقتراحات والمداومة والإصرار والقرار ... والله من وراء القصد ...
د. عبدالقادر سماري