أَتَدْرون أين كان هذا ومتى ؟
أَتَدْرون أين كان هذا ومتى ؟
إنه في قلب (باريس )
وفي سنة 2026 !
لا تلوموني على الإطالة فلقد حاولت الاختصار فلم أستطع:
أٌُسْدٍل الستار على الطبعة الاربعين لملتقى مسلمي فرنسا، انتهت فعالياته، رجع كل واحد من حيث أتى ليستكمل المسير، هذا الملتقى الذي أسال الكثير من الحبر، وتناولته الألسنة والاقلام، من قرار إنبعاثه بعد توقفٍ، الى التحضيرات والاستعداد الأولي، إلى قرار المنع وأثره، ثم المرافعات في المحاكم، إلى قرار العدالة النهائي ب ( حق مسلمي فرنسا ) في اللقاء، الى توافد المشاركين، الى الانطلاقة ومختلف الفعاليات ...
يعجز القلم أن يعبر عن المشاعر،
وتحتار الريشة كيف ترسم الحدث،
ويخرس اللسان أن ينطق بما رأت العين،
وتتلعثم الكلمات في وصف المشاهد،
قد لا أستطيع بكلماتي ان أقدم للمتابعين حقيقة الصورة ...
ولكن سأكتب ... أكتب لعدة أسباب :
أكتب حمدا وشكرا لله فالفضل كله منه وإليه ليزيدنا من فضله،
أكتب دعما للعاملين المضحين بأوقاتهم وأموالهم وراحتهم ليزدادوا حرصا وبذلا وعطاء
أكتب للجامدين لعل النخوة والدم الفائر يحرك جوارحهم ... فلربما حيي الخشب.
أكتب للمتشائمين لعل بريق الأمل ينفذ الى قلوبهم وعقولهم فترتفع هممهم نحو المعالي،
أكتب للجاحدين لعلهم ينزعون عن أعينهم وقلوبهم غشاوة النكران،
أكتب للمتشككين لعل اليقين يلامس أفئدتهم ،
أكتب للباحثين عن الحقيقة ليأخذوها من مصدرها،
أكتب للراحلين الذين تركوا بصمتهم لعلهم ينالون الدعوات من أفواه والسنة المتابعين،
أكتب للأجيال القادمة لعل التجارب تتراكم فيزداد البناء شموخا وعلوا،
كما أكتب للحساد والمناوئين لعلهم يصرفون جهودهم لما ينفعهم فلا يناطحوا السنن الغلابة ...
لهؤلاء جميعا أكتب عن عمل بسيط، بدأ بأفراد قلائل، قال عنه أحدهم : وماذا عساهم هؤلاء أن يفعلوا،
وقال آخر قبل ثلاثين سنة: لن أدخر جهدا حتى أوقف هذا المد
وقال ثالث، قبل ثلاثة أيام فقط : منذ زمن كان هدفي أن لا يُعقد هذا التجمع ...
وللغرابة أن أحدهم من بعيد نسي الفضل فقال : إن هؤلاء يريدون الهدم لا البناء ...
وفي المقابل قال شاب قد امتلأ قلبه ووجدانه بعمل الخير، قال وكله حماس: ألا يعلمون أن هذا العمل هو رحمة بهم
وقالت شابة : لا نريد سوى الخير لنا ولكل البشر
وقال طفل : نحن ورثة كل صوت يحفظ لنا براءتنا وفطرتنا
وقال كهل : لن يستفزنا حاقد ولا حسود
وقال شيخ : أملي أن أختم حياتي في كل ما ينفع خلق الله ...
أمام هذه ...
دعوني أكتب محاولا أن أقرب لكم كيف كان ذاك الملتقى. واعذروني أنني لا أتمكن من نقل المشاعر ...
كان هذا يوم الاحد في
Le Bourget
وأنا أتجول بين أروقة المعارض، وأجنحة العارضين، وقاعات المحاضرات، وأقسام المسابقات، وجلسات الشاي والقهوة ... سألت الله القبول، ثم تمنيت لو أن بعض الذين رافقونا في البدايات وانتقلوا الى رحمة الله لو أنهم بيننا ليروا كيف هو ذاك الجُسَيْم الصغير البسيط قد أصبح جسما يافعا
تذكرت الشيخ فيصل مولوي، الدكتور عبدالحميد بوزوينة، الدكتور عبدالمنعم بن الصغير، الدكتور الهاشمي صغير .... وآخرون رحمهم الله ... ثم قلت أنا على دين من يقول بأن الأموات يشاهدون ما نفعل في دنيانا فيرنون ويعتبرون خيرا ... فابتسمت لهم.
ثم تمنيت لو أن بعض الذين رافقونا في البدايات ولايزالون على قيد الحياة لو أنهم بيننا ولكن بعضهم حبسهم المرض أمثال: أبو عبدالرحمن، زهير، عبدالمجيد ... فسألت الله لهم الشفاء، وآخرون لهم أعذار أخرى مثل : الدكتور أحمد جاب الله، نذير حكيم، فؤاد العلوي، أبو يحيى وآخرون ... سألت الله لهم التوفيق في مساراتهم
هؤلاء وغيرهم حين بدأنا هذا العمل قبل 43 سنة كان العدد لا يتجاوز 150 فردا ... الطبعة الأولى في نانت Nantes 1983، والطبعة الثانية في بوردو Bordeaux ... ثم توالت الطبعات ... واليوم مع الطبعة الاربعين أكثر من 120.000 بين عارض وزائر ومستمع ومحاضر، وبائع ومشتري ... معظمهم متطوعون ساهرين لراحة المشاركين، وبعضهم مثلي جاء فقط للدعم والتواصل والاطمئنان على تلك البذرة ... التي استوت على سوقها وآتت أكلها بإذن الله ... إبتدأ نهار أمس بصلاة الفجر ثم المأثورات وكلمة قصيرة قدمتها حول : فضل ذكر الله في كل وقت وحين، باللسان والقلب والجوارح ..
ثم كانت دردشة في جلسة خفيفة على مائدة إفطار الصباح ملخصها قول الدكتور من تلمسان القادم من بيرمنغهام والذي لا يحب ذكر إسمه
حيث قال ( المعنى من عنده والكلمات من عندي ) : واجب الأمة أن تعرف مراد الله منها وأن تتهيأ بالدراسات والاعداد والاستعداد ليس فقط لإنقاذ نفسها بل لإنقاذ البشرية كلها مما تعانيه فنحن رحمة للبشر ولسنا نقمة ...
ثم انتقلنا الى
Le Bourget،
حيث فعاليات الملتقى الجامع، أمر يختلف عن الماضي ...
كل المتدخلين والمحاضرين والمناقشين من الجيل الثاني والثالث ... مسلمون حتى النخاع، فرنسيون دون نزاع ...
* جلسات التربية الروحية والتكوين الشرعي
* جلسات الذكاء الاصطناعي والتطور التقني
* جلسات الفكر والثقافة والابداع
* مسابقات القرآن حفظا وأداء بالاحكام من خمس سنوات إلى 25 سنة ...
وعلى مائدة الغداء كانت الجلسة الدسمة مع بعض الفرنسيين المهتمين بالشأن الاسلامي، تناولنا كثير من المواضيع:
أي دور للإسلام في المستقبل؟
ما مظاهر التحول في المجتمعات الانسانية؟
إلى أين يقود حكام الغرب شعورهم وبلدانهم ؟
ماذا أصاب حكام العرب والمسلمين ليصلوا الى هذا الحد من الهوان والتيهان ؟
وعصرا كان الموعد الذي أحرص دوما على حضوره والمشاركة فيه ... لقاء الجزائريين على هامش الملتقى ...
الحضور متنوع وأكثر مما يتصور، رغم أنه لم يحضر كل من في الدورة ...
أعمار مختلفة من سبع سنوات إلى أكثر من سبعين سنة
دكاترة، أطباء، رجال أعمال، محامون، طلبة ... من فرنسا، من بريطانيا، من إيطاليا، قادمين أرض الوطن ...
تناول الكلمات بعض الحضور :
الدكتور عبدالسلام قطوش
الاستاذ النائب توفيق بلخديم
الدكتور كمال حميميد
الشيخ زكرياء
الشيخ فيصل ايزدارن
الدكتور ابراهيم درعي
الدكتورة بورنان
الدكتور أبوبكر قدودة
وصاحب هذه الكلمات ... عبدالقادر سماري
كلماتنا تمحورت حول بعض المعاني :
* محطات من الماضي للذكرى والاعتبار
* حافظ على هويتك ودينك مهما كانت الظروف
* كن مواطنا صالحا حيثما وضعتك الأقدار
* كن أداة بناء لا معول هدم
* كن مفتاح خير مغلاق شر مع كل بني البشر
* كن قيمة مضافة لدينك ووطنك وأمتك
بعد ذلك كان التعارف وتبادل المعلومات والهواتف، ثم صورة جماعية... ولقاءات ثنائية على الهامش ... ثلاثة منهم، أحدهم أبكاني والثاني أضحكني، والثالث حمَّلني مسؤولية أحسست أنها أثقل من الجبال الرواسي ... طلبني الاول على انفراد، طرح علي سؤالا ... حاولت إجابته فأجهشت بالبكاء ... كفكفت دموعي وأجبته، فضمني إليه ... ثم كان الثاني : يعرف معظم تفاصيل حياتي ومحيطي، قص علي قصصا عني قال أنه يستحضرها في أوقات سَأمِه وفتوره فيستعيد بها حماسته ونشاطه فضحكنا معا ... والثالث راح يعدد مجالات العمل التي غفلت عنها الأمة عموما والجزائر على الخصوص وختمها بقوله : هذه مسؤوليتنا جميعا ومسؤوليتكم أكبر ... كان لقاء الجزائريين على هامش الملتقى يحمل الكثير من المعاني ...
وآخر ما كان في الملتقى يوم الأحد ليلا كان مع
تاج الوقار
حفل توزيع الجوائز على الأوائل في مسابقات القرآن الكريم حسب الفئات العمرية والاجزاء من كتاب الله :
خمسة 05 أحزاب
عشرة 10 أحزاب
ربع القرآن 15 حزب
نصف القرآن 30 حزب
كل القرآن 60 حزب
في الخيال لم نكن نحلم بهذا ... إنه محض فضل الله ... حين أعلنوا إسمي لتكريم أحد الأطفال لم يكونوا قد أخبروني، كنت في عالم آخر ... فإن كان إلياء أبو ماض قد قال : (جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ) قالها شكا في وجوده، متشككا في مجيئه ومنتهاه، فأنا أقولها شكا فيما أنا فيه ... أَحُلْمٌ هذا ام خيال ... تقدمتُ إلى المنصة، ثم سمعتهم ينادون: الحافظ (( عيسى أيوب )) ... إنه من فئة ( أقل من 10 سنوات ) حافظ ( 5 أحزاب ) تقدم الغلام بكل وقار، قبلته على جبينه وأنا أستشعر أنني أقبل : (عيسى) و ( أيوب ) عليهما السلام، دعوت الله له بالسداد والرشاد والتوفيق والحفظ والصون... ثم ناويته شهادة التكريم وتغريد مبتسما، وعيناي ترقرقان ...
طوبى للآباء والأمهات نيلهم تاج الوقار
وطوبى للمعلمين والمعلمات إهم خير الناس بصريح قول خير البشر
وطوبى لمن أعد واستعد وسهر وعمل ... لن أستطيع أن أنقل الحدث ... بين التهليل والتكبيرات، بين الزغاريد والتصفيقات ... توالت التكريمات لباقي الفئات، ثم كان الدعاء الختامي من أخي الاستاذ (تهامي ابريز) ... ساح بنا في ملكوت الله ... مستنجدا به، مستحيرا به، مستمطرا رحماته، مستنصرا بقوته ... والجميع يؤمن ... وكان الختام ...
جاء أحد الاخوة ( الدكتور محمد بوقرة ) ليودعني ومعه إبنته ( ميساء ) قالت لي :
In chaallah
L’année prochaine, je serai parmi les lauréats du Coran.
(( إن شاء الله، السنة القادمة سأكون ضمن المتوجين بالقرآن ))
تتابعون بعض مقتطفات حفل توزيع جوائز مسابقة القرآن في الفيديو أسفله ...
رجعنا في وقت متأخر إلى محل إقامتنا، فكانت جلسة ممتعة مع ثلة من الاساتذة ... جلسة عفوية لم تكن في البرنامج ... الحضور أصولهم من مختلف الدول الإسلامية، ومن مختلف الدول الأوروبية إقامتهم ... تنوع تكاملي ... بعضهم حكى جانبا من جوانب تجربته في هذه الحياة، والبعض الآخر إستوقفنا عند ملامح الحاضر الذي نعيشه، تحدياته، وملامحه، واكراهاته، ومظاهره ... وآخرون انتقلوا بنا الى إرهاصات المستقبل، ومتطلباته، وآماله .... يا ليت أمتنا وقادتها ورؤسائها وملوكها يعرفون ما عندهم من درر وكنوز، أثمن من الغاز والبترول والمعادن النفيسة، رجال ونساء سيغيرون مجه العالم بإذن ربهم... وما ذلك على الله بعزيز ... خلدنا إلى النوم سويعات إلى صلاة الفجر ثم المأثورات وفطور الصباح ... وكان وقت الفراق والوداع على أمل أن نلتقي في مواعيد أخرى، ولعل اجتماع مسلمي فرنسا للعاملين القادم أيام ( 26 - 29 مارس 2027 ) يجمعنا إن كان في العمر بقية ... وإلا موعدنا هنااااك ... كانت نفسي تردد بداخلها ( ... أحبب من شئت فإنك مفارقه ... ) و قول شعارنا ( ... هل بعد هذا نفترق ... ) ... انتقلت مع مرافقي في القطار إلى مكان آخر بعيد عن باريس بما يقارب 500 كيلومتر ... خلال الرحلة كنت أسجل هذه الخربشات ... وصلنا الى بلفور، قرب الحدود السويسرية - الفرنسية - الالمانية - كان بعض الاحباب في استقبالنا ... قضينا معهم 48 ساعة ... سنأتي على ذكر بعض دروسها إن شاء الله في منشورات أخرى ... وخاصة مع الاستاذ (شفيق) الذي لم ير أرض الوطن الجزائر منذ أكثر من 50 سنة ، وله طقوس خاصة به ... ويتمنى أن يتعرف على الاسلام الذي كثر الكلام عليه في الآونة الأخيرة ... والآن نحن نستعد للرجوع لأرض الوطن ... متابعة شيقة ...
عساني لم أطل عليكم ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري






