الدكتورعبد القادر سماري

حين تجالس الكبار يتفتق الذهن وتسمو الروح وتطمئن القلوب وتتسع الآفاق :

حين تجالس الكبار يتفتق الذهن وتسمو الروح وتطمئن القلوب وتتسع الآفاق :
يوم أمس، الثلاثاء، في سطيف، كان حافلا باللقاءات والاتصالات، غير ان جلسة من تلك الجلسات كانت ممتعة...
بعد الخروج من عند أحد الاطباء، قررت زيارة الاخ عمار سكلولي، حفظه الله، في مكتبه، ذلك المكتب الذي طالما إلتقيت فيه مع والده، عمي قدور رحمه الله ...
دخلت مجمع صافصار safcer ، حيث البهو الفسيح، وقاعات العرض،
طلبت من الكاتبة ان تبلغ سي عمار بوجودي، أقبل احدهم علي بالابتسامة والاحضان ... الوجه مألوف ولكن الاسم غاب عن ذاكرتي، حتى قال : كيف الاحوال سي عبدالقادر هاذي مدة لم نلتق ...
هنا عرفته من صوته، فتطابقت الصورة بالاسم، إذ سرعان ما رجعت بي الذاكرة الى سنوات خلت بعد سماع الصوت... إنه الشيخ عبدالناصر جارف حفظه الله،
صاحب الاقامتين :
سطيف والمدينة المنورة ...
هذا الرجل الشيخ الزاهد، حاز الدنيا بيده ولم تتمكن من قلبه، تعرفت عليه قبل أكثر من 30 سنة، كنا نجلس في زاويته العامرة في المواسم، وخاصة في المولد النبوي الشريف ونقضي الليالي ذوات العدد ذكرا وقرآنا وصلاة ومدائح ...
ونحن نتجاذب أطراف الحديث مع الشيخ، خرج من مكتبه السيد عمار سكلولي حفظه الله، ودعانا للدخول ...
لم نجتمع نحن الثلاثة هكذا أبدا ، إلا هذه المرة، رغم ان كل واحد يعرف الاخر ...
خمس أو عشر دقائق سؤال عن الاحوال ... ثم أن الشيخ قال لي : آخر مرة تابعت تنقلاتك كان زيارتك الى غزة سنة 2012 ... وهنا فتح الباب للكلام عن أحوال المسلمين وعن الجهاد والتضحيات والواقع المزري الذي تعيشه الدول العربية والاسلامية ... مع العلم ان الشيخ نصر الدين ابن شهيد والده استشهد في نواحي بابور. شمال سطيف، بعد معركة ضارية مع جيش الاحتلال ولم يعرف له قبر ...
بعد ذلك انتقلنا الى موضوع آخر، قال لي سي عمار : موضوع اليوم الذي كتبته في الفيس بوك يحتاج نقاشات طويلة ... ثم استرسل ليقول : كيف ان إنسان متدين ويخاف الله ورغم ذلك يدفعه الحسد والحقد إلى ظلم الناس وربما ظلم الاقربين منه، وفي بعض الحالات يظلمهم باسم الدين ...
قلت له : هذا نوع من انواع الأمراض النفسية ... ثم قلت له : وهذا الذي فعله إخوة يوسف بيوسف عليه السلام رغم أنهم تربوا في بيت النبوة ...
عندئذ تدخل الشيخ نصر الدين قائلا : أنا لم أقرأ المنشور، ولكن حسب علمي أن أول معصية كانت من إبليس لما حسد آدم عليه السلام حيث كرمه الله على كل المخلوقات وهنا بدأ إبليس يكيد له ولقد أقسم أمام الله أن يفسد حياة آدم وأبنائه بسبب الحسد الذي أنساه كل شيء وتمكن منه... ثم قال الشيخ : كما ان أول عملية قتل كانت بسبب الحسد بين إبني آدم، قابيل وهابيل، لما تقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فقال له : لأقتلنك،
قال الاول : إنما يتقبل الله من المتقين .
فازداد الثاني حقدا فقتل أخاه ...
وفي الأخير: المقتول في الجنة والقاتل في النار بعد ان يذوق عذاب الندم والحسرة في الدنيا وهذه هي النتيجة الطبيعية للحسود والحقود الذي لا يتوب ...
بقينا في هذا الموضوع مدة من الزمن ...
ثم انتقلنا إلى موضوع ثالث ... الكلام عن سطيف ورجال سطيف ... عن أولئك الابطال من الشهداء والمجاهدين الذين ضحوا بدمائهم وأرواحهم فكانوا مضرب المثل ... عن أولئك العلماء الذين كانوا نورا يستضاء بهم في زمن الجهل والانغلاق ... عن أولئك السياسيين الذين أفرزتهم سطيف فكانوا مدارس في السياسة والدبلوماسية والعلاقات الدولية ... عن أولئك الصناعيين والمقاولين الذين بنوا سطيف فجعلوا منها مدينة تعشق وتزار ... عن أولئك الأساتذة والدكاترة والباحثين الذين تخرجوا من مدارس وثانويات وجامعة سطيف فكانوا روادا في مختلف العلوم ... عن اولئك الفنانين والرياضيين والمبدعين الذين ذاع صيتهم في الآفاق ... ذكرنا كثير من الاسماء رجالا والنساء ... ختمنا جلستنا آملين أن يخرج من رحم سطيف من يكمل المسار ويعيد لها بهجتها ...
سطيف، وكل الجزائر، تحتاج رجالا ونساء رساليين ... وكما يقال بالعامية ( رجال ونساء مركوبين بسطيف والجزائر ) ... كانت جلسة ممتعة ساقها القدر ... ومن عجائب الاقدار أن لقاءات واتصالات الامس الى غاية منتصف الليل كانت كلها تصب في هذا المعنى ... ويبقى الأمل في الصالحين كبير وفي الله أكبر ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري