الدكتورعبد القادر سماري

إذا جاك المنشور طويل روح للفقرات الأخيرة ::::

إذا جاك المنشور طويل روح للفقرات الأخيرة ::::
جولة يوم أمس، الخميس، من العاصمة إلى تيارت لحضور جنازة الشيخ الاستاذ الاخ ( عيسى ابراهبمي ) رحمه الله، والتي استغرقت 14 ساعة، ذهابا وإيابا وإقامة بين ظهراني الاحباب، كانت دورة تربوية تدريبية تكوينية روحية سياسية سياحية بامتياز ... تعددت فيها النيات والمقاصد...
فقد كنا أربعة في السيارة ...
ابتدأناها بصلاة الفجر جماعة في مصلى النور، هذا المصلى الذي كتبنا عنه الكثير. فهو يقع في بقعة من بلدية ( اسطاوالي الساحلية ) ... تلك البقعة من أرض الجزائر الطيبة التي كانت في يوم ما ( محرمة على العرب والمسلمين ، ولم يرفع فيها الاذان خلال أكثر من 190 سنة 1830 - 2022 ) ... تلتها دعوات وتضرع لله الواحد الصمد ...
ثم بدأنا المسير :
من اسطاوالي - ثم محاذاة بلديات :
بابا سحن - الدويرة - تسالة المرجة - بوفاريك - البليدة ... ثم تحفة الطريق السيار الذي يشق ولاية المدية بمنعرجات الشفة وبن شكاو الى غاية البرواقية مناظر خلابة وإنجاز يبقى شاهدا لأصحابه حتى وإن تناسيناهم ... ومن البرواقية الى قصر البخاري في أعالي جبال الونشريس يمينا يتراءى لنا من بعيد ( بوغار ) ذلك الصرح مفخرة الجزائر الذي تخرج منه الرجال الأشاوس حماة الوطن ... ثم انعرجنا يمينا لأخذ الطريق الوطني الجديد رقم 127 ، أحيا الكثير من القرى أمثال مغيلة والعيون وأخواتها ، هو تحفة لو يتم استدراك بعض النقائص مثل : المسافات المتبقية عن المدن، الإشارات الارشادية قبل المنعرجات الجميلة والخطيرة في نفس الوقت - استدراك وتحسين الدَّوَّارات التي كادت أن تذهب بنا ...
خلال الطريق تناولنا وجبات دسمة ليس أكلا في البطون ولن تغذية للروح والفكر :
* المأثورات والادعية الصباحية
* عصف ذهني في ( الفروق بين سورتي الفلق والناس ) هي ثلاثة كبرى نتركها للأصدقاء لاستخراجها
* جولة ذهنية في استذكار مناقب وتاريخ فقيدنا الاستاذ ( عيسى ابراهيمي ) رحمه الله، في الدعوة، والتربية، والسياسة والقانون ...
* ثم تبادلنا وجهات النظر حول قضايا تشغلنا وعلى رأسها ( إلى أين هي سائرة الجزائر في خضم الاحداث العالمية - إلى أين هي متجهة الحركة في ظل التحولات المتسارعة ) ...
* وكان كلام طويل عن مستقبل العمل السياسي في الجزائر ...
نترك لكم أحبابنا حق التأملات في هذه المواضيع ...
قبل الوصول إلى تيسمسيلت هاتفنا أحد شبابها الاخ الاستاذ العامل المجتهد ( يونس عبدالرحيم خليفي ) حفظه الله، وكان الموعد في فندق ( الملاس ) الفندق الجميل الواقع خارج المدينة، على الطريق الواصل بين ( تيسمسيلت و تيارت ) والذي ننصح به كل من يمر من هناك ... وبه كان فطور الصباح، وكانت جلسات مع صاحب الفندق، ودردشات مع العاملين به، ولهم منا كل الشكر على نوعية الخدمات ... وقبل المغادرة اتفقنا مع الاخ يونس ان تكون لنا معه استراحة عند العودة من تيارت ...
أكملنا الرحلة الى تيارت ... وهناك كان الحدث الأكبر قد لا أستطيع أن أصور تفاصيله، ولكن ما لا يُدرك لا يُترك :
* جموع غفيرة من مختلف الاعمار شيوخ كهول شباب أطفال كلهم جاؤوا اعترافا لفقيدنا بما قدم للإسلام وللجزائر وللجزائريين ولتيارت ... كلهم يبكون الفراغ الذي تركه ...
* عشرات بل المئات من الاحباب الذين مرت سنوات لما نلتق بهم، جاؤوا من الشلف، عين الدفلى، العاصمة، وهران، تيسمسيلت ، أفلو، الاغواط ... وغيرها
* لقاءات وجلسات كانت لنا مع إخوة الفقيد وأبنائه وأبناء عمومته وخؤولته، لن أنسى جلستين مع أخويه أحدهما تجاوز القرن من العمر ( 102 سنة ) والآخر على مشارف التسعين، يحكيان مسيرة العائلة والفقيد والعيون تذرف الدموع ...
* وما يعطي لهذه الزيارات نكهة خاصة هو تلك الذكريات التي يعيدها معك من جمعتك به يد الرحمان في مسيرة الحياة، أذكر ما دار بيني وبين الشيخ الحاج حمو حفظه الله، وما كان مع أخي الاستاذ خالد بن الحاج الطاهر ، ومع الاخوة الاخرين... ثم تلك الذكريات مع الشيخ ( الملاح ) الذي ذكرني بأولى لقاءاتنا في تيارت قبل أكثر من ثلاثين سنة، وتلك الذكريات معه في جلسات القرآن الذكر في الزاوية الرحمانية في برج بوعريريج وأخرى في رأس الوادي ... وجلسات أخرى مع الافاضل الذين جاؤوا مُعَزِّين ومشيعين ... أعتذر إذ لم أسرد كل الاسماء ...
" وأخيرا في تيارت، في مقبرتها. كانت صلاة الجنازة على روح فقيدنا، أمَّنا الشيخ أبوجرة سلطاني، ثم ألقى التأبينية مُذكرا بالموت واعظا، وجال بنا بمسيرة الرجل، والارث الذي تركه، وواجبات من يأتي بعده ... ثم دعوات وابتهال وتضرع لله ألقاها الشيخ( الملاح ) ... ثم واريناه التراب ... في وقفة رهيبة تنتظرنا جميعا يوما ما ...
فرغنا من الواجب ... حاول أهل تيارت الكرماء إبقاءنا معهم، اعتذرنا ... ذلك أن هناك موعد ينتظرنا في تيسمسيلت ...
وفي نفس الفندق ( الملاس ) عند الظهيرة كان في استقبالنا جمع طيب من أهل المدينة ( أطباء، باحثين، كتاب ... ) وبعد السلام والتعارف كانت لنا جلسة تناولت مختلف الاوضاع، ولكن ركزنا أكثر على ما ينتظر الاخ الاستاذ ( يونس عبدالرحيم خليفي ) بعد ان تم اعتماده رسميا مرشحا للحركة في تيسمسيلت هذه الولاية التي تحتاج رجالا ونساء يقومون بأدوار كبيرة تجاهها ... كانت جلسة ممتعة جلنا خلالها بمواضيع شتى ... وبعد وجبة الغداء ... كان الدعاء ثم الصلاة ... وافترقنا على أمل اللقاء أثناء الحملة الانتخابية إن كان في العمر بقية ... ويممنا وجوهنا شطر العاصمة عبر نفس الطريق...
وفي طريق الرجوع، موضوعان أخذا منا كل الوقت ، أربع ساعات :
* الموضوع الأول ما العمل، وما هي واجباتنا، في ظل هذه الظروف المحلية والاقليمية والدولية ... وعلى الخصوص ما مستقبل المشروع الذي جمعنا خلال أكثر من أربعين سنة ... وذهبنا بعيدا في التشريح والاستقراء وتخيل السيناريوهات ....
* أما الموضوع الثاني، فهو نقلة أخرى، الى عالم آخر، مع قصيدتين،
-- الاولى مع كلمات (بيرم التونسي) في قصيدته (( القلب يعشق كل جميل )) استوقفنا مقطع (( كنت ابتعد عنه وكان يناديني ويقول مصيرك يوم تخضع لي وتجيني طاوعني يا عبدي طاوعني أنا وحدي، أنا اللي اعطيتك من غير ما تتكلم وأنا اللي علمتك من غير ما تتعلم ))
-- الثانية مع كلمات (عمر الخيام ) في قصيدته (( رباعيات الخيام )) التي تجاوزت أبياتها الالف بيت، استوقفنا البيت (( إن لم أكن أخلصت في طاعتك فإنني أطمع في رحمتك، ويشفع لي أنني قد عشت لا أشرك في وحدتك )) ... استمرينا مع تلك التسابيح إلى أن رجعنا إلى بيوتنا ... سائلين الله القبول ... والرحمة والمغفرة ... والله من وراء القصد
جمعة مباركة للجميع
مع الصلاة والسلام على النبي الشفيع .
د. عبدالقادر سماري