ثلاث مكالمات، ثلاثة جراح ... مطلب واحد.
ثلاث مكالمات، ثلاثة جراح ... مطلب واحد.
بالأمس كنت منهمكًا في بعض الأشغال، أتنقل بين الأوراق والأفكار،
أعد بعض الاستشارات لبعض المؤسسات، لأزاوج بين المتاح والمأمول ...
فإذا بهاتفي يرن ثلاث مرات في أوقات متقاربة،
لم تكن المكالمات عادية، ولم تكن الأسئلة التي حملتها مجرد أسئلة عابرة، بل كانت رسائل عميقة من معاناة الحياة.
المكالمة الأولى كانت من شاب في مقتبل العمر، يحمل في صوته شيئًا من الحيرة والألم، لم يطلب مالًا ولا منصبًا ولا وساطة، وإنما قال: "قل لأبي أن يثق فيّ، قل له إن انعدام الثقة يدفعني أحيانًا إلى الوقوع في الأخطاء، قل له أن يدفعني إلى الأمل."
توقفت عند عبارته طويلًا، كم من شاب لا يحتاج إلى أكثر من كلمة ثقة! وكم من إنسان يملك القدرات والطاقات لكنه يذبل حين يشعر أن أقرب الناس إليه لا يؤمنون به.
إن الأمل الذي يريده الشاب ليس مجرد فكرة جميلة، بل هو طاقة تبعث الحياة في النفوس، وتجعل الإنسان يرى في نفسه ما لا يراه الآخرون ...
أما المكالمة الثانية فكانت من أستاذة جامعية، تحدثت بحزن واضح، وقالت إنها محاصرة ببعض السلوكات الغريبة من بعض زملائها في العمل، والأعجب أن كثيرًا منهم يظهرون التدين والالتزام أمام الناس، استرسلت في شرح وضعها، ثم سألتني سؤالًا مؤلمًا: "كيف أجد الأمل في هذا الوسط الذي يختلف ظاهره عن باطنه ، بل هما متناقضان ؟"
فكرت حينها أن الإنسان لا يتألم فقط من ظلم الأعداء، بل ربما يتألم أكثر حين يأتيه الأذى ممن كان يظن فيهم القدوة والحكمة، لكن الحقيقة التي تعلمناها من الحياة أن البشر يبقون بشرًا، يخطئون ويصيبون، يرتفعون حينًا ويسقطون حينًا آخر، ومن ربط أمله بالناس خاب أمله كثيرًا، أما من ربط أمله بالله، وجعل قيمه ومبادئه أكبر من تصرفات الآخرين، فإنه يجد دائمًا سببًا للاستمرار.
ثم جاءت المكالمة الثالثة من فتاة فقدت والدها، قالت إنها منذ رحيله تعيش فراغًا رهيبا،
قالت لي : حين أقرأ منشوراتك أشعر بشيء من الأمل ينفذ الى أعماقي ولكن سرعان ما ينطفئ، ثم سألت: "كيف نستجلب الأمل؟ وكيف نحافظ عليه؟" ...
وهنا أدركت أن الناس وإن اختلفت ظروفهم فإنهم يجتمعون حول حاجة واحدة: الحاجة إلى الأمل.
ذلك الشاب يبحث عن أمل يصنع به مستقبله.
وتلك الأستاذة تبحث عن أمل يحفظ لها كرامتها وسط المعاناة.
وتلك الفتاة تبحث عن أمل يرمم فراغًا تركه غياب الأب.
ثلاثة أشخاص، وثلاثة جروح مختلفة، لكن الدواء واحد.
لقد تأملت طويلًا بعد تلك المكالمات، فوجدت أن الإنسان في هذه الحياة لا يملك شيئًا أثمن من ثلاثة أمور:
الصبر ... الرضا ... والأمل.
أما الصبر، فهو القدرة على مواصلة الطريق حين تتعثر الخطوات، أن تواصل السير رغم التعب، وأن تواصل البناء رغم الهدم، وأن تواصل الحلم رغم الخيبات، الصبر ليس استسلامًا، بل مقاومة هادئة للعواصف.
وأما الرضا، فهو السكينة التي تنزل على القلب حين يفهم الإنسان أن الحياة ليست دائمًا كما يريد، وأن وراء كل قدر حكمة قد تخفى اليوم وتظهر غدًا، الرضا لا يعني ترك السعي، وإنما يعني أن يبذل الإنسان جهده ثم يطمئن إلى ما كتبه الله له.
وأما الأمل، فهو النور الذي يجعل الصبر ممكنًا، والرضا جميلًا، هو الجسر الذي نعبر به من الألم إلى الطمأنينة، ومن الضيق إلى السعة، ومن السقوط إلى النهوض.
الإنسان قد يعيش فقيرًا بالأسباب، لكنه لا يستطيع أن يعيش بلا أمل.
وما الحياة في حقيقتها إلا رحلة طويلة نتزود فيها بالصبر، ونستريح فيها بالرضا، ونمضي فيها على ضوء الأمل ...
قلت لهم جميعا كلمة كثيرا ما أرددها :
((( تألم ولا تنكسر )))
وقلت لهم : إذا أحسست برغبة في البكاء فتَخَيَّر لك وقتا للبكاء ... وخير البكاء عند السحر ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري