من عمق أوروبا بأجسادنا ... إلى قلب الجزائر بعقولنا وأفكارنا وأرواحنا ...
من عمق أوروبا بأجسادنا ... إلى قلب الجزائر بعقولنا وأفكارنا وأرواحنا ...
استجابةً لدعوة كريمة من ثلة من أبناء الجزائر المقيمين في أوروبا، للمشاركة في تكريم أحد علماء الجزائر الأفاضل الذين أفنوا أكثر من خمسة وخمسين عامًا في خدمة الجالية الإسلامية عمومًا والجالية الجزائرية خصوصًا، في ترسيخ معاني الدين عقيدةً وفكرًا وأخلاقًا وسلوكًا ومعاملات، وقد تجاوز اليوم الثمانين من عمره،
سافرت ملبيا الدعوة، وجدت نفسي أمام مشهد يبعث على التأمل أكثر مما يدعو إلى الاحتفاء.
وقبل جلسة التكريم التي ستُعقد مساء هذا اليوم الجمعة،
كان لي مساء البارحة الخميس لقاء حميمي ودي مع أربعة من أبناء الجزائر البررة. رجال يحملون الجزائر في عقولهم وقلوبهم، وطنيون إلى النخاع، متدينون بوسطية واعتدال، ولكل واحد منهم بصمته العلمية والمهنية في مجال تخصصه.
لم أتكلم كثيرًا...
بل كنت أستمع.
أستمع إلى حديث عميق عن الجزائر: كيف نحملها في زمن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة؟ وكيف نجعل منها مشروعًا حضاريًا يتجاوز ردود الأفعال إلى صناعة الأفعال؟
وأستمع إلى حديث عن الشعب الجزائري، ذلك الشعب العظيم الذي لا تنقصه الطاقات ولا الإمكانات، ولكنه يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى الارتقاء في سلم القيم والمبادئ والأخلاق، لأن النهضات لا تُبنى بالإمكانات المادية وحدها، وإنما تُبنى أولًا بالإنسان.
ثم أخذنا الحديث إلى السياسة، لا باعتبارها صراعًا على المواقع والمصالح، بل باعتبارها فنًا في فهم الواقع واستيعاب المتغيرات واستشراف المستقبل. فالعاقل ليس من يعيش أسير اللحظة، وإنما من يقرأ ما وراء الأحداث، ويدرك أن الجمود في عالم متحرك ليس ثباتًا، بل تراجع. وأن خدمة الأوطان تحتاج إلى ثوابت لا تتغير، وإلى مرونة في الوسائل والرؤى والتقديرات.
ثم كان الحديث عن الإسلام...
ديننا الذي نحبه جميعًا، لكننا كثيرًا ما ظلمناه حين اختزلناه في بعض المظاهر، أو جعلناه حاضرًا عندما يخدم مصالحنا وغائبًا عندما تتعارض أحكامه مع أهوائنا.
إن الدين ليس سجلًا تجاريًا نفتحه متى شئنا ونغلقه متى شئنا، وليس بطاقة هوية نستعملها عند الحاجة ونضعها جانبًا عند أول اختبار. الدين عهد مع الله، ومنهج حياة، وبوصلة توجه الفكر والسلوك والاختيارات في السراء والضراء، وفي الرضا والغضب، وفي الخفاء كما في العلن.
وتحدثنا طويلًا عن القرآن الكريم...
ذلك الكتاب الذي ما زالت الأمة تقف أمام كنوزه العظيمة وقفة المتأمل أكثر من وقفة المستخرج لدرره. نعم، حفظ القرآن نعمة عظيمة وشرف كبير، لكن الأهم من حفظ ألفاظه، التي تعهد الله بخفظها، هو أن نتعلم معانيه، وأن نستخرج مكنوناته الحضارية، وأن نستنبط أحكامه، وأن نعيش تحت هداية توجيهاته.
فالقرآن لم ينزل ليُتلى على الألسن فقط، وإنما لينير العقول، ويهذب النفوس، ويبني الإنسان، ويصنع الأمة. وما أحوجنا اليوم إلى الانتقال من مرحلة حفظ الآيات إلى مرحلة صناعة الحياة بالآيات.
توقف أحد الإخوة طويلًا عند قول الله تعالى:
"وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى".
وكان يرى فيها مفتاحًا لفهم الحياة كلها؛ فلا نهضة بلا سعي، ولا نجاح بلا جهد، ولا مستقبل لمن ينتظر النتائج دون أن يدفع ثمنها عملًا وكفاحًا وصبرًا.
وراح آخر يؤكد أن التحدي الأكبر في هذا العصر ليس في إقناع الشباب بوجود الله وضرورة التدين، وإنما في تقريب المعاني الإيمانية إليهم بلغة يفهمونها، وعقلية تستوعب أسئلتهم، وخطاب يحترم ذكاءهم ويجيب عن قلقهم الوجودي والفكري والسلوكي.
أما الثالث فقد تعمق في الحديث عن سنن الله في الكون، وعن تلك الحقيقة التي يخاف منها كثير من الناس: أن الشك المنهجي الذي يوقظ العقل ويبحث عن الدليل ليس خصمًا لليقين، بل قد يكون طريقًا إليه. فالأسئلة الكبرى هي التي تفتح الأبواب الكبرى، والعقول التي لا تسأل لا تكتشف، والأمم التي لا تفكر لا تتقدم.
كانت جلسة جزائرية خالصة في فضاء أوروبي بامتياز...
لكنها لم تكن جلسة حنين إلى الماضي، بل كانت جلسة بحث عن المستقبل.
وكان أجمل ما فيها أن الحاضرين، رغم اختلاف تخصصاتهم وتجاربهم وأعمارهم، اجتمعوا على قيمة واحدة: أن الإنسان لا يكبر بما جمع من شهادات، وإنما بما بقي لديه من قابلية للتعلم.
لقد كنت أستمع أكثر مما أتكلم، وأتعلم أكثر مما أناقش.
وخرجت بقناعة تتجدد في نفسي كل مرة:
(( أن أعظم خسارة قد تصيب الإنسان ليست الجهل، بل وهم المعرفة. ))
وأن أخطر ما يصيب الأمم أن تتوقف عن طرح الأسئلة، أو أن تظن أنها لم تعد بحاجة إلى التعلم.
ومن هنا فهمت سر تكريم العلماء الصادقين.
فليس التكريم احتفاءً بعمر مضى فقط ، بل استعداد لتحمل رسالة امتدت لعقود وستبقى.
ورسالة هذا العالم الجليل الذي نحتفي به اليوم بعد أكثر من خمسة وخمسين عامًا من العطاء ليست فيما قاله فقط، بل فيما جسده بسيرته: أن العلم رسالة، وأن التربية مشروع عمر، وأن خدمة الناس شرف، وأن الإنسان يبقى تلميذًا ما بقي فيه نفس يتردد وقلب ينبض.
ومن عمق أوروبا...
رأيت الجزائر التي نحلم بها.
جزائر العلم لا الضجيج.
جزائر الفكرة لا الشعارات.
جزائر القيم لا المصالح.
جزائر القرآن الذي يُفهم ويُعاش قبل أن يُحفظ.
جزائر الدين الذي يُلتزم به لا الذي يُستعمل.
جزائر الإنسان الذي يتعلم كل يوم، لأنه يدرك أن طريق النهضة يبدأ بسؤال صادق، وفكرة صادقة، وعمل صادق.
وما دام في الأمة رجال يجتمعون على الفكر، ويتحاورون باحترام، ويختلفون بحثًا عن الحقيقة لا انتصارًا للذات، فإن الأمل باقٍ... بل أكبر مما نظن ... والله من وراء القصد .
جمعة مباركة للجميع
مع الصلاة والسلام على النبي الشفيع.
د. عبدالقادر سماري ...
من عمق أوروبا ... إليكَ يا جزائرنا الحبيبة .