وفاءٌ لرجلٍ من طرازٍ نادر ...
وفاءٌ لرجلٍ من طرازٍ نادر ...
عشنا أمس الجمعة لحظاتٍ من الوفاء والعرفان ونحن نحتفي بأحد أعلام الجزائر والإسلام في أوروبا، العالم المربي، والخطيب الداعية، والمفكر الأديب، الأستاذ الشيخ الدكتور العربي كشاط حفظه الله وأطال في عمره.
إنه سليل أسرةٍ جمعت بين شرف الجهاد ونبل العلم، وواحد من الرجال الذين وهبوا أعمارهم لخدمة الدين والوطن والأمة والإنسانية جمعاء. وُلد سنة 1945 ببلدية زمورة بولاية برج بوعريريج، وحفظ كتاب الله تعالى وهو لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره، ثم واصل مسيرته العلمية حتى نال شهادة الليسانس، قبل أن يلتحق بجامعة السوربون بباريس سنة 1971، حيث حصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع.
وفي سنة 1979 أسس، رفقة ثلة من إخوانه وأصدقائه، مسجد الدعوة بحي ستالينغراد في باريس، ذلك الصرح الذي تحول إلى منارة علم وهداية وحوار وتربية، وأصبح الشيخ عميدًا له وقلبًا نابضًا برسالته.
كنت أسمع عن الشيخ العربي كشاط منذ كنت تلميذًا في المرحلة الثانوية بمدينة برج بوعريريج في منتصف السبعينيات، غير أن الله لم يكتب لي لقاءه إلا سنة 1983 عندما كنت أحضر شهادة الدكتوراه بمدينة غرونوبل بفرنسا. يومها زرناه في باريس، وهناك تعرفنا على نخبة من العلماء والمفكرين الذين كانوا يرتادون ذلك الصرح المبارك، وفي مقدمتهم العلامة الكبير الشيخ الدكتور محمد حميد الله رحمه الله مفسر معاني القرآن الكريم باللغة الفرنسية.
ولئن عُرف الشيخ العربي كشاط بالخِطابة والكتابة والشعر والتربية، فإن أثره تجاوز ذلك بكثير. فقد كان من الأوائل الذين ألقوا خطبة الجمعة باللغتين العربية والفرنسية، ومن الرواد الذين فتحوا أبواب الإعلام الفرنسي للتعريف بالإسلام وحضارته وقيمه ورموزه، كما كانت له إسهامات إعلامية سابقة عبر الإذاعة الجزائرية.
لقد أسهم في إحياء روح الانتماء للإسلام لدى أجيال من الشباب المسلمين في فرنسا، ورافق المهاجرين في الحفاظ على هويتهم، وفتح جسور التعارف والحوار مع المجتمع الفرنسي، فكان داعيةً بالحكمة، ومربيًا بالفعل قبل القول، وبانيًا للإنسان قبل البنيان.
لقد حضر هذا الاحتفاء جمع غفير من العلماء والدعاة والمفكرين والباحثين وأبناء الجالية، فكانت كلماتهم شهادةً صادقة في حق رجلٍ ترك بصماته في العقول والقلوب، وأسهم في صناعة الوعي وترسيخ قيم الاعتدال والتعايش والارتقاء بالإنسان في ظروف لم تكن سهلة.
إن تكريم الشيخ العربي كشاط ليس تكريمًا لشخصه الكريم فحسب، بل هو تكريم لجيلٍ من الرواد الذين حملوا مشاعل الإصلاح في ظروفٍ صعبة، وجاهدوا بالكلمة والعلم والتربية والحوار وخاصة في أوروبا أذكر من بينهم المشايخ والعلماء ( عصام العطار، فيصل مولوي، سعيد رمضان، محمد حميد الله ... وآخرون رحمهم الله ) وآخرون لازالوا على قيد الحياة، فكلهم يستحقون أن يُذكروا في سجل الخالدين، وأن تتعرف عليهم الاجيال .
حفظ الله شيخنا الجليل، وبارك في عمره وعلمه، وجزاه عن الإسلام، وعن الإنسانية خير الجزاء، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته يوم يلقى ربه.
فالرجال العظماء لا يُقاسون بما نالوه لأنفسهم، وإنما بما تركوه للأجيال من أثرٍ وهدايةٍ وعطاء ... من حق الاجيال القادمة علينا ان نُعَرِّفها برجال وضعوا اللبنات الاولى في صرح هذا الدين في القارة العجوز ليصبح له هذا المقام ... والمهمة كبيرة ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري








