الدكتورعبد القادر سماري

لست أدري من أين أبدأ كتابة أحداث يوم أمس الخميس 18 جوان،

لست أدري من أين أبدأ كتابة أحداث يوم أمس الخميس 18 جوان،
* هل أبدأ بذكريات أيام مؤلمة لم أشهدها، كانت قبل مولدي بسنة ( 16- 17 - 18 جوان 1958 ) حيث قام الاحتلال الفرنسي بترحيل قبيلتنا ( قبيلة أولاد تبان ) من أراضيها بعد المقاومة الكبيرة حتى أصبحت أراضينا يطلق عليها ( الاراضي المحررة ) وراح ضحية تلك العمليات أكثر 750 شهيد معظمهم من الأطفال والنساء ..
* أم أبدأ بإحياء ذكرى ( 19 جوان 2003 ) ذكرى رحيل واحد من عباقرة الدعوة والسياسة والاصلاح في جزائرنا الحبيبة، ألا وهو الشيخ محفوظ نحناح، رحمه الله، وما ترك وراءه من مشروع لم تكتمل فصوله بعد، ولايزال يحتاج إلى أعمال كثيرة في مختلف جوانب الحياة لإحياء الأمة ... نسأل الله أن يهيء من يستكملها وأن يجعل لنا نصيب منها .

* أم أبدأ بما تعيشه الجزائر هذه الأيام من حملة إنتخابية إستعدادا للانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها يوم ( 02 جويلية 2026 ) ...ترددت كثيرا ولكنني قررت أن أكتب عن جولة الأمس وما كان فيها من مشاهد ودروس وعبر، ففيها ما يتعلق بارحيل أولاد تبان ، وفيها ما هو مرتبط بقينا الشيخ محفوظ رحمه الله، وفيها شيء من الانتخابات التشريعية المقبلة ...

إتخذت قرار القيام بجولة الأمس قبل أسبوع، لما كنت في فرنسا أثناء تمريم فضيلة الشبخ ( العربي كشاط حفظه الله ) ، علمت حينها بوفاة والد الاستاذ الدكتور صديقنا ( حسين درويش ) عمي الأخضر درويش رحمه الله، فكلمته لأعزيه، فأخبرني أنه توفي في Toulon وأن الجنازة ستكون في نواحي مدينة ( القل ) ببلدية ( قنوات ) بعد أسبوع، ثم أنه ترجَّاني أن أحضر الجنازة إذا كنت في الجزائر ...
وفي لمحة البصر صعد إلى ذاكرتي أطياف العديد من الاصدقاء والاحباب من أهل ولاية سكيكدة، وتذكرت تلك الزيارات التي قمنا بها خلال الاربعبين سنة الماضية، فتملكني الحنين،
فوعدت أخي الحسين بزيارتهم ومشاركتهم هذا المصاب الجلل ... بعد يومين يخبرني بأن أحد أصدقائه يقيم في سطيف وأنه مستعد ليمر علي لأرافقه لحضور الجنازة التي ستكون يوم الخميس 18 جوان بعد العصر ... تذكرت وعدا كنت قد قطعته على نفسي لأحد الرجال الافاضل ( السبد نبيل ) بولاية ( ميلة ) الذي ذهب الى الحج، وهي حجة العمر، وعدته بزيارته بعد رجوعه من البقاع المقدسة ...
تواعدت مع الرجل، على أن نبدأ ب ( ميلة ) ثم ( سكيكدة ) ثم ( القل) ثم ( قنواع ) ...
بعد فجر يوم أمس كان عندي في البيت في القصرية ب سطيف ... وبدأت الرحلة :
* لم تكن لي سابق معرفة بالرجل تعارفنا أثناء الطريق : هو الاستاذ( نصر الدين ع. ) خريج جامعة سطيف كلية الاقتصاد، في العقد الرابع من عمره، من مواليد ( ورقلة ) أصوله من ( الوادي ) استوطن في سطيف منذ أكثر من 13 سنة، اشتغل في عدة مجالات دون واسطة بل بجهده الخاص، كان إطارا محليا في بنك السلام، ليستقر أخيرا على عمل ( مندوب délégué ) لإحدى الشركات الوطنية الكبرى ... الرجل له ثقافة واسعة خاصة في الجانب الاقتصادي والديني وصاحب سمت طيب، متحمس لعمله، يصبو الى النجاح، هو محتار في من يقول ( بأن الاوضاع سيئة وان ظروف الحياة صعبة)، بل يعتقد أن كل الظروف مهيئة للنجاح لمن أراد ذلك ولكن للنجاح ضريبة، ضريبة العمل والجد والكد فلا شيء يأتي مجانا ... لما قطعنا شوطا من رحلتنا، طلب مني أن أكلمه عن مسارات الجزائر كيف كانت وكيف أصبحت وكيف أراها ؟ بدأت أسرد له بعض الاحداث التي عايشتها، كان يستمع ويتنصت باهتمام، ولكن كلما ذكرت شخصية وطنية، دينية أو سياسية. من مراحل السبعينات والثمانينات وبداية التسعينات إلا وسألني عنه ويستوقفني عند تفاصيل كنت أظن انها معلومة عند الخاص والعام ... علمت حينها أننا أمام أجيال لا تعرف الكثير من الماضي القريب ناهيك عن الماضي البعيد، وفهمت أن هناك هوة سحيقة بين الأجيال تحتاج الى المثير من الترميم ... ثم ياقنا الكلام الى قضية جوهرية في حياة الأمم والشعوب والدول وهي (( درء المفاسد وجلب المصالح ))، وخضنا في قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في مجالات السياسة والدعوة والإعلام والاقتصاد، كانت نقاشات وحوارات ثرية ومفيدة ...
* وصلنا مدينة ميلة، كنت قد تواصلت مع بعض الافاضل، أما رئيس المكتب الولائي فقد اعتذر لأنه خرج إلى بعض البلديات في الحملة الانتخابية، وأما الاستاذين الفاضلين( الشريف ، عبدالعالي ) فوجدناهما في الانتظار، فكانت لنا معهما جلسة خفيفة، وتركتها ما مرافقي ( نصر الدين ) وإلتحقت بصاحبي القادم من الحج (( الحاج نبيل )) في مكتبه، كان لقاء يليق بتعليم شعائر الله، كلمني عن أول ما رأى الكعبة، وعن الطواف والسعي، وعن عرفات وكيف كان يدعو الله للجميع، ثم النزول الى مزدلفة. ومنًى ... لقد كان يتكلم بشغف وحنين وفرحة غامرة ... أحسست أن الله قد قبل كل نُسُكِه ... ثم توقف ونظر إلي وقال : أدري يا دكتور أنني الآن فقط فهمت لماذا يحاربون الاسلام، ولماذا يعيقونه ويقفون في وجهه، إن الحج لو أستغل أحسن استغلال لغير وجه العالم ولكانت البشرية في سعادة غامرة ... لحق بنا أحد أصدقائه ودخلنا في حوار محوره (( دور الأمة في انقاذ نفسها وحماية البشرية )) الموضوع كبير ومتشعب، والرجلان خزانان من المعرفة والعلوم والمقاربات الاجتماعية والنفسية ... ساعة ونصف تمنيت لو كانت مسجلة ... لم أرد أن أشق عليهما، استأذنت والتحقت بصاحبي لنكمل رحلتنا بعد أن ودعنا الاستاذين ( الشريف و عبدالعالي )
* قبل الدخول الى سكيكدة، كانت اللافتة (( فلفلة )) هذه البلدية الصغيرة هي واحدة من الأماكن التي تم ترحيل جزء من قبيلتنا إليها في ( جوان 1958 ) تلك العملية الاجرامية التي قامت بها فرنسا لمراقبة قبيلتنا ( أولاد تبان ) ورحت أشرح لمرافقي تلك الأحداث التي لا تقل جرما مما يقوم به الكيان تجاه أهل فلسطين عموما و ( غزة ) على الخصوص ... أنهينا بعض الاشغال في سكيكدة ... وكملنا الطريق نحو القل ...
* أثناء الطريق إتصلنا الاستاذ الشيخ المربي ( عمار لعور حفظه الله ) تواعدنا أن نلتقي في بلدية ( الشرايع ) ... خلال الطريق كنت أكلم مرافقي عن العمل الدعوي والسياسي في سكيكدة وعن الرموز التي اشتغلنا معها وعلى الخصوص عمي علي العايب والايتاذ كمال الذهاب رحمهما الله ... ثم كلمته عن بعض القضايا التي كانت في سكيكدة خلال مرحلة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ... كانت عبارة عن ( تحديث المعلومات mettre à jour ) لشاب يريد ان يعرف الماضي القريب ...
* وصلنا الشرايع فكان اللقاء الحار مع الشيخ المربي( عمار لعور ) حفظه الله، أناديه سيدي عمار، ذلك أن كل واحد إسمه (عمار) فإنه يذكرني في والدي، سيدي عمار، رحمه الله، فلا أستطيع أن اناديه باسمه مجردا ، كان لقاء استحضرنا فيه عشرات السنين قضيناها معا في مجالس الشورى الوطني، في لقاءات الشرق الجزائري، في سكيكدة. في عنابة، في قسنطينة. في سطيف، في جيجل، في المخيمات ( زيامة، سيدي عبدالعزيز، واد زهور ... ) تذكرنا الزيارات التي رافقت فيها الشيخ محفوظ رحمه الله الى سكيكدة، في الحملات الانتخابية. في دورات التكوين... قمت بواجب التعارف بين الرجلين، وأكملنا الطريق الى بلدية (قنواع ) وبالضبط في قرية ( هلالة ) حيث تسكن عائلة ( درويش ) مكان الجنازة، وجدنا خلقا كثيرا في استقبالنا، وعلى رأسهم الأخوين الاستاذ المربي الشيخ ( احسن النغرة )
والاستاذ ( فاروق الساكتة ) عضو المكتب الولائي سكيكدة، وإخوة أخرون لا تحضرني أسماؤهم، صلينا الظهر قصرا، ثم العصر مع الجماعة وجلسنا في مسجد عمر بن الخطاب ننتظر قدوم الجنازة، القادمة من فرنسا الى عنابة ثم الى مقر سكن العائلة حيث الجموع تنتظر، كانت جلسة أخوية حميمية ذكروني في الزيارات التي قمت بها الى المنطقة، سنوات خلت، استحضرنا جلسات التكوين والتدريب، ... ثم بعد حين جاء أبناء الفقيد الأربعة، ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله، تبارك الله كلهم حفظة كتاب الله، وكلهم مراجع ورموز لأهل البلد، جنازة والدهم ( عمي لخضر درويش رحمه الله ) بين أيديهم، وكلهم سكينة ووقار، تقدم أحد أبنائه لصلاة الجنازة وطلب من الحضور الاجتهاد في الدعاء، فرغنا من الصلاة واتجهنا نحو المقبرة ... في فناء المسجد كانت المفاجأة بالنسبة لي ( أخوين شقيقين ) من أهل المنطقة تعرفت عليهما قبل أكثر من أربعين سنة، أحدهما ( مصطفى ) لم أره منذ ديسمبر 1983، والثاني ( رابح ) لم أره منذ 1995، لم أكن اتخيل أن أجدهما، كان لقاء وديا معهما، تبادلنا خلاله عبارات الاخوة والمجاملة والدعوات الصادقة، واللقاء يحمل الكثير من المعاني ربما تتاح الفرصة في منشور آخر لنكتب ما قُلْناه وما لم نَقُلْه ... مشينا بعض الخطوات وراء الجنازة في سكينة ووقار ... وفي المقبرة كان خلق كثير، من كل الأعمار ومن كل الشرائح، وبعد الفراغ من الدفن، تقدم أحد أبنائه بالدعاء لوالده وشكرا المعزين ... ولكن بعدها طلب مني أخي الاستاذ الدكتور ( حسن درويش إبن الفقيد ) أن أقول كلمة، قال لي : والله من أجل هذه اللحظة طلبتك لحضور الجنازة ... فقلنا ما فتح الله به، عن حقيقة الحياة، وموعظة الموت، وسنة الله في الهلاك والفناء للخلق، ثم عن واجباتنا نحو أنفسنا وأهلينا وديننا ووطننا وأمتنا، عن واجب التآخي والتآزر بين المسلمين، ثم الخصال الحميدة التي تمتاز بها عائلة درويش، وما ترك خلفه عمي الأخضر رحمه الله من ذرية طيبة صالحة وعمل نافع ... ثم الدعاء له ولأهله وللمعزين والمشيعين ... وكان الدعاء لفلسطين وغزة حاضرا ... وانفض الجمع ...
* حاولوا استبقاءنا للعشاء والمبيت ولكننا أصررنا أن نغادر، ودعنا الجميع ولكنني الشيخ ( عمار لعور ) حفظه أبى إلا أن يرافقنا الى ( القل ) لنتعشى هناك ... ثم أخذنا عن طريق آخر، غير الذي جئنا منه، طريق بمحاذاة الشواطيء ... هي جنة فوق الأرض، شجر الفلين، شجر القسطل، شجر التين، مناظر خلابة، جبال وأودية وأنهار ... عناصر المياه العذبة الباردة، شلالات ... قال لنا : من لم يأتي الى هذه الأماكن لا يقول أنني زرعت ( القل أو قنواع أو هلالة ) ... لقد قام الشيخ عمار بأكثر من الواجب، مرشد سياحي، عارف بتاريخ المنطقة، كلما مررنا على جماعة الا واستقبلوه بحفاوة وتبجيل، لقد درَّس معظم أبناء المنطقة، كما عنده ترخيص للتدريس في كل مساجد الولاية ... حاولت في هذا المنشور أن أصف جداول الماء فلم أستطع، حاولت ان أصف مشهد ميول الشمس نحو الغروب لتتراأى لنا كأنها تسقط في البحر فلم أستطع، حاولت أن أصف قطعنا الغنم والماعز والبقر وهي ترعى تتقافز فلم أستطع، حاولت ان أصف شطآن المنطقة فلم تسعفني الكلمات ... كانت جولة لا تقدر بثمن ... لقد تم تسجيل خفاياها وخباياها في ذاكرتي سأرجع إليها من حين لآخر لأتزود من إبداعات الخالق بديع السماوات والارض ... أنهينا امسيتنا ... أوصلنا الشيخ عمار الى (الشرايع) وقفلنا راجعين ... آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون ... وصلنا سطيف عند منتصف الليل ... اللهم تقبل منا ... واكتب لأحبابنا مثل هذه الزيارات واللقاءات ... والله من وراء القصد
* د. عبدالقادر سماري