الدكتورعبد القادر سماري

بين تكسلانت ومروانة... حين أيقظت الذاكرة وجوهًا لا تموت ... لهم منا كل الدعوات :

بين تكسلانت ومروانة... حين أيقظت الذاكرة وجوهًا لا تموت ... لهم منا كل الدعوات :

لما كلّمني الإخوة من باتنة للمشاركة معهم في الحملة الانتخابية الخاصة بالانتخابات التشريعية القادمة، لم أكن أعلم أن استجابتي لهذه الدعوة سيكون لها هذا الأثر العميق في نفسي، وأنها ستعيدني إلى صفحات من الذاكرة ظننت أن الأيام قد طوتها، فإذا بها حية نابضة بكل تفاصيلها.

في الموعد المحدد جاءني الأخ الشيخ زبير عجة، حفظه الله، رفقة ابنه الشاب الخلوق ( قتيبة عجة حفظه الله ) ، وانطلقنا نحو مدينة مروانة. وأثناء الطريق عادت بي الذاكرة إلى حادثة مضى عليها أكثر من أربعين سنة.

كان ذلك في صائفة سنة 1984 ... كنت يومها طالبًا في جامعة غرونوبل بفرنسا، حين بلغنا نبأ وفاة أحد الأصدقاء الأعزاء، وهو الدكتور ( لخضر بيطام ) رحمه الله. وكان هذا الأخ من أوائل الذين استقبلوني عند وصولي إلى مدينة غرونوبل سنة 1982 لتحضير الدكتوراه، فنشأت بيننا علاقة طيبة منذ اليوم الأول.
كان رجلًا هادئًا، متدينًا، متأملًا في الحياة، جادًا في طلب العلم، بعيدًا عن الضجيج، قريبًا من المعاني الكبيرة. وفي بداية سنة 1984 ناقش أطروحة الدكتوراه في الرياضيات، وكان موضوعها في أحد التخصصات الدقيقة المتعلقة بالبنى الرياضية اللانهائية، وهو مجال كانت له فيما بعد تطبيقات علمية وعملية مهمة.
وما زلت أذكر ذلك اليوم الذي ناقش فيه رسالته؛ فقد كان رئيس لجنة المناقشة عالمًا فرنسيًا مرموقًا من الحاصلين على جائزة نوبل. وكان عرض الدكتور لخضر لأطروحته أشبه بدرس علمي رفيع المستوى، أما الأسئلة التي وُجّهت إليه فكان يجيب عنها بثقة واقتدار وتمكن علمي لافت، مما جعل اللجنة تمنحه شهادة الدكتوراه بدرجة امتياز.
غير أن فرحتنا لم تكتمل؛ فبعد عودته إلى الجزائر مباشرة، وفي اليوم الذي كان متوجهًا فيه مع أهله لإتمام إجراءات خطبته استعدادًا للزواج، تعرض لحادث مرور أليم توفي على إثره رحمه الله.
وصلنا الخبر إلى غرونوبل فحزنّا عليه حزنًا شديدًا. وكنا نعلم أن أسرته تعيش ظروفًا اجتماعية صعبة، فبادر الإخوة والطلبة إلى جمع التبرعات، وتمكنا من جمع مبلغ معتبر ومحترم لمساعدة عائلته.
وتكفلت شخصيًا بإيصال ذلك المبلغ إلى أهله عند عودتي إلى الجزائر. حملت الأمانة وانطلقت نحو بيت أسرته، ولم أكن أعرف المنطقة جيدًا. كل ما كنت أعلمه أنه كان يسكن في قرية تكسلانت القريبة من مروانة.
وصلت إلى الجزائر، ثم بدأت رحلة البحث: من رأس الوادي إلى سطيف، ومن سطيف إلى باتنة، ثم إلى مروانة، ومنها إلى تكسلانت. وهناك أخذت أتنقل من مكان إلى آخر وأسأل الناس حتى اهتديت أخيرًا إلى مقر سكناه.
وما زلت أذكر الحالة الهادئة والرضا العجيب الذي وجدت عليه والدته، رحمها الله. كانت امرأة بسيطة مكافحة، تجمع السنابل بعد موسم الحصاد لتعين أسرتها على أعباء الحياة. وكان ذلك المشهد من المشاهد التي لا تزال راسخة في ذاكرتي إلى اليوم، لما حمله من معاني الصبر والكرامة والإيمان بقضاء الله وقدره.
فلما وصلت إلى بيت الأسرة، وبعد التحية والسلام، قبلت رأس الوالدة رحمها الله، وقلت لها: "أنا صديق ابنكم لخضر". فنظرت إليّ طويلًا بعينين ملؤهما التأمل والحنين، ثم قادتني إلى بيت متواضع جدًا، صغير في حجمه، كبير في معانيه.
جلسنا قليلًا، وقدمت لنا شيئًا من الضيافة على قدر استطاعتها، ثم قالت لي كلمات لا تزال ترن في أذني إلى اليوم: "لقد حملت لخضر في بطني تسعة أشهر، وأنا اليوم أحمل شهادته في بطني أيضًا". ثم مدت يدها إلى داخل ثوبها وأخرجت رسالة الدكتوراه التي تقدم بها ابنها لنيل شهادة الدكتوراه.
وأذكر جيدًا أن الرسالة كانت ذات غلاف أصفر. كانت تحتفظ بها كما تحتفظ الأم بأغلى ما تملك، ثم قالت وهي تغالب دموعها: "ابني حملته في بطني، وشهادته سأظل أحملها معي حتى ألقى الله سبحانه وتعالى".
سقطت من عينيها دمعات حاولت أن تخفيها، وأن تتصبر أمام ضيف جاء يحمل ذكرى ابنها. تأثرت كثيرًا بذلك الموقف، فقبلت رأسها مرة أخرى، ثم ودعتها وانطلقت. غير أن صورة تلك الأم الصابرة بقيت عالقة في ذهني طوال هذه السنين.
وقد عادت إليّ هذه الذكرى ونحن في طريقنا إلى مروانة، وانا أحكي بعض فصولها لنرافقي كلمني شقيقي الاستاذ ( عبدالحليم سماري ) فأخبرته أنني في طريقي إلى مروانة، فقال لي : عندي أصدقاء في ( تاكسلانت) في قرية ( تينيباوين ) من عائلة العباسي يمكنك زيارتهم، وأرسل لي رقم هاتف أحدهم، فتعجبت من توارد الخواطر . فطلبت من الأخ الشيخ ( زبير عجة ) أن نغير البرنامج قليلًا، وأن نتوجه إلى تكسلانت لنستحضر تلك المرحلة من العمر، ولعلنا نلتقي ببعض أهل الفقيد أو أقاربه.
فاستجاب مشكورًا، واتصل بالإخوة في مروانة لتعديل البرنامج، ثم انطلقنا نحو تكسلانت. وهناك استقبلنا أهل المنطقة بحفاوة كبيرة، ولاحظت أن اسم بيطام لا يزال حاضرًا في كثير من المرافق والمؤسسات، كما علمت أن العائلة من العائلات الكبيرة والمحترمة والمجاهدة، فمنهم الشهداء ومنهم المجاهدون.
جلسنا مع عدد من أفراد الأسرة والأهالي ومعارف الدكتور لخضر، وتحدثنا عنه رحمه الله، فوجدت أن ذكراه لا تزال حية بين الناس، وأن كثيرًا من الشباب يعرفون قصته ويذكرونه بالخير، وكأن الرجال الصادقين لا يغيبون وإن غابت أجسادهم.
بعد ذلك استضافنا الشاب أحمد العباسي في مقهى "خيمة الأوراس"، وكانت جلسة طيبة ومثمرة. وسرعان ما انتقل الحديث من ذكريات الدكتور لخضر وعائلته إلى الحديث عن الانتخابات التشريعية القادمة. وقد لمسنا في أهل المنطقة الكرم والنخوة وحسن الاستقبال، وكانت لنا معهم مناقشات إيجابية، بل إن بعضهم عبر عن استعداده للوقوف إلى جانب الحركة في هذه الانتخابات.
ثم عدنا إلى مدينة مروانة، فإذا بحشود كبيرة من المواطنين في انتظارنا بدار الثقافة وفي القاعة المخصصة للقاء. وهناك شعرت أن الزيارة لم تعد مجرد محطة ضمن الحملة الانتخابية، بل تحولت إلى رحلة في أعماق الذاكرة.
فقد التقيت بإخوة كرام كانوا طلبة عندنا في جامعة سطيف خلال سنوات 1986 و1987 و1988، وكنت وقتها مدير الدراسات العليا، وفي نفس الوقت كنت أقدم دروس في مسجد الجامعة حول (( إسقاطات واقعية للسيرة النبوية )) ، فعادت بنا الذكريات إلى تلك الأيام الجميلة، واسترجعنا كثيرًا من المواقف والمحطات المشتركة.
وبعد ذلك انطلقت فعاليات اللقاء، فكانت كلمات طيبة للمترشحين، وكلمة لرئيس المكتب الولائي للحركة بباتنة، ثم كانت كلمتي التي استحضرت فيها علاقتي التاريخية بولاية باتنة، واللقاءات التي كانت تجمعنا بعدد من الإخوة العاملين في خدمة الدعوة والوطن.
كما قدمت عرضًا حول برنامج الحركة "برنامج الثقة"، ذلك البرنامج الذي يحمل كثيرًا من الآمال، ويهدف إلى استرجاع الثقة في العمل السياسي، وبعث الأمل في مستقبل الجزائر.
لقد كانت زيارة مروانة أكثر من مجرد نشاط انتخابي؛ كانت رحلة إلى التاريخ، واستحضارًا لذكريات الرجال الذين صنعوا مراحل مهمة من مسيرة الدعوة والعمل الوطني. تذكرنا خلالها بعض الإخوة الذين عرفناهم في هذه الولاية وشاركناهم محطات من العمل والعطاء، ومنهم الأخ يوسف العدواني، والأخ عبد المجيد مناصرة، والأخ محمد غراب، والأخ عبد الرشيد رحماني، وغيرهم من الرجال الذين كانت لهم بصمات واضحة في خدمة الإسلام والجزائر.
كما استحضرنا فضل كثير من الإخوة العاملين في مختلف الحركات والهيئات، الذين اجتهدوا في خدمة الدين والوطن والشعب الجزائري، كلٌّ من موقعه، وكلٌّ بما استطاع.
وهكذا كانت رحلة الأمس؛ رحلة امتزج فيها عبق التاريخ بآلامه وأفراحه، بآفاق المستقبل وآماله ، واستعدنا فيها أجمل الذكريات مع الإخوة العاملين في هذه الولاية العزيزة. ومع غروب الشمس عدنا والحمد لله، وقد أدينا ما استطعنا من واجب.
وفي ختام هذه الرحلة لا أملك إلا أن أترحم على من رحلوا، وأستحضر وجوهًا صنعت الخير ومضت إلى ربها، تاركة وراءها الأثر الطيب والذكر الحسن.
نسأل الله الرحمة والمغفرة لإخواننا الذين سبقونا إلى الدار الآخرة، وأن يجزيهم خير الجزاء على ما قدموا، وأن يلحقنا بهم على خير وفي رضوانه.
أما نحن فما علينا إلا أن نواصل أداء واجبنا، وأن نُسْهم بما نستطيع في خدمة ديننا ووطننا وأمتنا، وأن نحفظ الوفاء للرجال الذين علمونا أن قيمة الإنسان ليست فيما يجمعه لنفسه، وإنما فيما يتركه من أثر طيب في الناس... والله المستعان وعليه التكلان... والله من وراء القصد. .
د. عبدالقادر سماري