شيء من الذكرى والتذكرة لعلها تنفعنا:
شيء من الذكرى والتذكرة لعلها تنفعنا:
في مثل هذه اللحظات من مثل هذا اليوم ، قبل 34 سنة ( 1986 )، قُبَيْل صلاة المغرب، اجتمع في بيتنا الأخوال والأعمام جاؤوا لزيارة والدي ( سيدي عمار رحمه الله) معظمهم تعلم الكتابة وقرأ وحفظ عنده القرآن، وكان مريضا طريح الفراش، كان يحدثنا في بصوت خافت عن القرآن وعن الصلاة وعن حقيقة الحياة، كانت والدته جدة مسعودة رحمها الله جالسة عند رأسه، فهو بكرها وله بها علاقة خاصة، سمعنا آذان المغرب، قال سيدي رحمه الله يخاطبني: قم يا جمال صلي بالجماعة.
أقام أحد الحضور الصلاة، تقدمت للصلاة، كبّرت ثم أطرقت بسمعي لعلي أسمع تكبيرته، بدأت قراءة الفاتحة ولا أذكر الآيات التي قرأتها في الركعتين، انهيت الصلاة، ثم إلتفتُّ يمينا لِأًسلِّم، قلت : السلام عليكم ورحمة الله، وقعت عيني في عين جدتي، رفعتْ إحدى يديها بإشارة من أسفل إلى أعلى وبالأخرى آخذة بيد إبنها سيدي ، أطَلْت النظر إليها، رأيت قطرات دمع على خديها، ووجه سيدي النيّر في إتجاه القبلة دون حراك، فهمت أن صاحب الأمانة أخذ أمانته، أنهينا الصلاة، وسلّم الجميع، وبهدوء يقول أخي الكبير الحاج الميلود : الله أكبر لا تقلقوا كل شيء جاهز.
أحطنا بالوالد، خرج أحدهم لإبلاغ العائلة، خرجت وراءه، في فناء البيت كان المنظر جلل، دعوت أمي وأخواتي الستة، السابعة كانت في بيتها، دخلنا إحدى الغرف وبكينا بدموع الرحمة، داعين له بالمغفرة والرحمة، طمأنتهم أنه كَبَّر معنا للدخول في صلاة المغرب وقبض الله روحه وهو في الصلاة التي كانت هي والقرآن رفيقاه، كان ذلك مواساة لنا جميعا في أبٍ لم نشبع منه، يفارقنا إلى دار الحق وعمره (58سنة)، لم نعرف منه إلا ثلاث أمور كان متشبثا بها : ( القرآن - الصلاة - صلة الرحم ) ، أما عن بره بوالديه فحدث عن قطرات الماء في البحر، وعن خدماته لطلبة العلم والجيران فحدّث عن حبات رمل الصحراء، أما عن ولعه بالعلم وتربية الأولاد فأعدد ورقات الشجر، عايش فترة الاحتلال قبل الثورة فحفظ القرآن وأتقنه، وجاءت الثورة فكان فدائيا مسبلا، وجاء الاستقلال فكان معلما ومربيا، وجاءت الصحوة ففتح بيته لأبناء الصحوة ودعاته فكم من جلسات لتحضير المعارض، وكم من استقبالات للدعاة في البدايات، وجاءه المرض فاحتسب أمره لله، حجّ واعتمر، سافر وارتحل كثيرا، زرت معه مشايخ كثر، لنا معهم قصص وحكايات، استقبلنا آخرين، له علاقات وطيدة بمشايخ وعلماء ومجاهدي منطقتنا ( ولاية سطيف القديمة ) .
وأختم بهذا البيت من الشعر الذي حفظته عنه، وهو لأبي العتاهية، الذي كان يردده دائما، وأطلب وآمل من أصدقاء هذا الفضاء أن يحفظوه ويجعلوه لهم منهجا في الحياة لعل سيدي عمار رحمه الله ينال أجر ذلك ففيه معانٍ وعبر كثيرة تفيدنا وخاصة مع حالة الوباء التي أفقدتنا كثير من الأحباب، فكان يردد هذا البيت :
(( إِنْ كان لا يُغنيك ما يكْفِيك :: فَكُلُّ ما في الأرضِ لا يغنيك ))
رحم الله آباءنا وأمهاتنا جميعا وكل أموات المسلمين، وألحقنا بهم على خير.
34 سنة= 12410 يوما = 72050 صلاة لا أذكر أنني نسيت فيها سيدي وأمي رحمهما الله، صدقوني في بعض الأحيان أغبطهما،
أبتسم لهما والدموع تتساقط، كم هو صعب الفراق. لك الله يا من فارقك حبيبك.
د. عبدالقادر سماري