نظرات يعجز الكلام عن الغور في كُنهها،
نظرات يعجز الكلام عن الغور في كُنهها،
فلا اللسان قادر عن توصيفها،
ولا القلم مقتدر عن بيانها،
ولا الفنان يستطيع أن يلتقط أشعتها،
ولا الأجهزة يمكنها أن ترصد أنوارها،
إنها نظرات الأم الرؤوم،
عشتها قبل قليل في المستشفى.
كان ذلك اليوم السبت، قبل قليل، زرت خالتي المريضة، في مستشفى مصطفى باشا، فوجدت عندها خالي لحسن وأمَّها ( جدتي ) واقفة عند رأسها تتهامسان بكلمات المواساة والدعاء، بعد السلام وقفت قبالتهما أتمتع بهذا المشهد، الأم والبنت، الأم قاربت التسعين والبنت على مشارف السبعين، وأشعة الرحمة وضياء الدعوات القلبية ينساب بينهما، بعد دقائق دخل أبناء خالتي المريضة، أقبلوا على أمهم متمنين لها الشفاء وطالبين منها الدعاء، دخلت الممرضة تطالبنا بمراعاة التباعد ووضع القناعات، تباعدنا إستجابة لطلبها، تراجعتُ قليلا لأرصد المشهد المتكامل، الأم والبنت وأبناء البنت ( الأحفاد)، نظرات الأم إلى ابنتها التي تنتظر إجراء العملية يوم الاثنين، ونظرات البنت المتقلبة بين الأم والأبناء وهي في حالة متقدمة من المرض، ونظرات الأبناء القادمين من بعيد للإطمئنان على حال والدتهم، ونظرات الأخ ( خالي ) المتنقلة بين أمه التي بلغت من العمر عتيا، وأخته العجوز، وأبناء أخته الشباب ... تلك النظرات كانت تتقاطع ثم تتحول إلى وجهة أخرى،
نظرات حاملة أشعة وضياء وسهام كل نظرة تختلف عن الأخرى ... حب، حنان، شوق، خوف، أمل، ألم، رجاء، دعاء، رحمة ...
رجع بي الموقف إلى محطات سابقة في حياتي أذكر منها إثنتان:
الأولى: في مرض وفاة والدي، سيدي عمار رحمه الله، زارتنا جدتي ( أم والدي) رحمها الله وأعمامي، كان سيدي طريح الفراش، كنا حوله وهو يتمتم بعض آي القرآن والدعاء والوصايا، كان مريضا جدا ولكن نظراته الثاقبة القوية لا تزال كما عهدناها، تنتقل وتتقلب بين هذا وذاك وتلك، أمه، أبناؤه، بناته، زوجته، إخوته، ثم نظراتنا نحن الأبناء للأب الذي لم يبق له معنا الكثير وللأم التي ستفقد زوجها وللجدة التي ستثكل في إبنها وللأعمام الذين أقليات لعيادة أخيهم ... صور تلاحقني ما حيَيْت.
الثانية، في إحدى المناسبات، كان عندي إخوتي وأخواتي زأبنائهم عندي في سطيف، من بينهم إحدى أخواتي وابنتها المقيمة في ماليزيا، لما حان وقت الفراق وقفنا عند باب المنزل فكانت إبنة أختي خائفة على أحد أبنائها أن يسقط فهي تحاول أن تمسك به وأختي كانت خائفة على إبنتها فتمد يدها وترتمي على ابنتها : الأم والبنت والحفيد ... جميعنا إنتبه إلى المشهد، فكان لنا درسا وعظة ...
الأم رحمة الرب للخلق.
أما أنا فقد
اشتقت إلى نظرة أمي، وكلمة أمي، وبسمة أمي، وطيف أمي وظل أمي ورائحة أمي ... بل واشتقت إلى دمعة أمي، دمعتها وهي فرحة مغتبطة ودمعتها وهي حزينة متألمة ...
لمن له أم على قيد الحياة أقول:
لك كنز لا يقدر بثمن، فقدِّره قدره.
ولمن سبقته أمه إلى دار البقاء أقول:
أكثر عليها من الرحمات.
اللهم اغفر وارحم أمي وأبي وأجدادي وجداتي وأخوالي وأعمامي وخالاتي وعماتي ومشايخي وأساتذتي وأصلح اللهم إخواني وأبنائي وأحفادي وذريتي ولمن قرأ هذا المنشور ومن لم يقرأه من أهل الإيمان.
واشف اللهم جميع المرضى.
د. عبدالقادر سماري