أول سفر قمت به منذ الاصابة بوباء كورونا لم يكن بعيدا، ولكن كان فيه زاد وعظة وتجديد عهد:
أول سفر قمت به منذ الاصابة بوباء كورونا لم يكن بعيدا، ولكن كان فيه زاد وعظة وتجديد عهد:
لما غزانا كورونا، قبل شهر، كنا ننتظر الموت كل يوم، خاصة أنه قد كان سببا في رحيل عدد كبير من الأهل والأصدقاء والأقارب في هذه الفترة بالذات وكانت تأتيني أخبارهم تباعا أتفاعل مع بعضها لما تكون عندي القوة والجهد ولما أتعب لا أستطيع ، ولقد كنت أنتظر الموت مُمَنيا النفس بحسن لقاء الله، ولقاء تلك الجموع والزمر الذين سبقونا لتلك الدار، وكانت صورة والديَّ ماثلة أمام عينيَّ طيلة تلك المرحلة، بل كنت أناجيهم في بعض الأوقات في داخلي فأقول : إقترب اللقاء وأبتسم !
ولما بدأ أبنائي يتعافون، وأصبحت أنا وأمُّهم همَّم وإنشغالَهم، فلما أنظر في أعينهم وأحوالهم أرى نفسي من خلالهم حين كان والديَّ طريحي الفراش قبل أكثر من ثلاثين سنة، فكنت أنظر إليهما بنفس هذه النظرات التي ترقبني وأمهم فتتصاعد إلى مقلتيَّ الدموع، في أحايين أرُدُّها وفي أخرى أحاول أن أخفيها فتغلبني، كم كان شوقي كبيرا للقاء سيدي وأمي في البرزخ، وكم كان ألمي عميقا وأنا أتخيل نفسي مُسجىً بين أبنائي وأحفادي وإخواني وأحبابي وهم في نفس حالتي لما غادرنا أبي وأمي ... وتمر الأيام وتأتي المعافاة من الله سبحانه ثم جهد الخيرين ممن رافقنا أثناء تلك المرحلة ودعوات الصالحين ممن نعرف ومن لا نعرف نحسها ترعانا في كنف الله ... فلما قررت القيام بأول سفر بالأمس لم أكن في حاجة إلى كثير تفكير، بالأمس كان يوم جمعة، تهيأت بالغسل والطيب والبياض، وخرجت متوكلا على الله صوب مقبرة أحمد عاشور برأس الوادي، ف سيدي وأمي دفِيناها، دخلتها مُسَلِّماً على ساكنيها مترحما عليهم مستغفرا لهم، بها الكثير من الأهل والأقارب والأصدقاء والجيران، مشيت بين القبور حتى وصلت إلى المكان الذي أسأل الله أن يكون روضة من رياض الجنة، حيث قبريهما رحمهما الله، فهما مناورات كما كانا في الدنيا، إذ رغم أن وفاة سيدي كانت قبل وفاة أمي بعامين إلا أنها لما إلتحقت به وجدنا لها مكانا، لقبرها، خلفه عن اليمين قليلا تماما مثل ما كانت تصلي معه في حياتهما، جلستٌ إليهما، ترحمتُ عليهما، قرأت شيئا من القرآن، ثم قلت لهما: (( قبل أيام كنت أظن أنني سأراكما قريبا في البرزخ ولكن الأمر ليس بيدي فالأمر بيد صاحب الأمر والأجل لم يحن بعد ... )) جلسات أتذكر آخر نصيحتين أو قل آخر وصيتين لي من سيدي عمار قبل وفاته بيومين أو ثلاثة، محاولا أن أجدد العهد وأوفي بالوعد فيما تبقى لي من حياة، كما تذكرت تلك الكلمات من أمي في خلواتنا وجلواتنا حول طبيعة طبيعة الحياة ومسخرتها وتلاعبها بنا، هممت بأن أستلقي بينهما كما كنت أفعل في غرفتهما ولكنني كنت أعلم أنهما لن يرضيا بتمريغ ثيابي وأنا مقبل على صلاة الجمعة، فلن أعصيهما، رجعت إلى نفسي بعد أن عشت مع طيفيهما وقتا قصيرا طويلا، استغفرت الله وأعدت الترحم والاستغفار لهما، ناجيتهما مستشعرا وجودهما معي، بل وأطياف الكثير من الأحباب والأصحاب والمشايخ وأهل الفضل الذين فارقونا إلى دار الحق، العشرات بل المئات، صورهم تمر تباعا متمنيا لهم مقعد صدق عند مليك مقتدر، راجيا لهم صحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ودعونا وخرجت من المقبرة وكلي حنين لذلك اليوم الذي سنلتقي فيه هنااااك أملا في الله أن يجمعنا في مستقر رحمته عند حوض نبيه وتحت ظلال طوبى وعلى ضفاف الكوثر ... وأنا أكتب هذه الكلمات وصلني قبل قليل رحيل صديق سيدي عمار الشيخ الأستاذ المؤذن بل شيخ المؤذنين بمنطقتنا سيدي سي الرزقي الوالي الذي كلما زرته يقول : جاء ابن صاحبي سي عمار.
وكم جمعتنا به جلسات الحزب في المسجد العتيق، وكم إلتقينا في زاوية الشيخ بلعيساوي في حضرة أهل الله وأهل القرآن.
وهذه آخر صورة لي مع الشيخ الرزقي وبعض أبنائي وصهرنا الدكتور صالح ...
الرحلة كانت زادا وتجديدا للعهد لاستكمال ما بقي في هذه الدار ...
د. عبدالقادر سماري

