من بسكرة إلى باتنة ومنها إلى العاصمة عبر الاجواء:
من بسكرة إلى باتنة ومنها إلى العاصمة عبر الاجواء:
يومان مليئان باللقاءات والجلسات والزيارات، كان أملي أن ألتقي مع أكبر عدد ممكن، ولكن قدر الله وما شاء فعل، وفجر اليوم قفلنا راجعين، رحلتنا البرية، من بسكرة إلى باتنة، كانت مع الآخ الأستاذ عساسي الشريف حفظه الله، حملني وحملته، بالأفكار والمواعظ والنكت واللطائف، توقفنا في إحدى المحطات، وكانت لنا مع القائمين عليها دردشات، استقبلنا بها شابان وسيمان خدومان ( نسيم و جلال )، سألَنا أحدهما: ماذا نشرب، قبل الجواب سألتهما : هل صليتما الفجر، أجاب أحدهما بالإيجاب فرحا والآخر بالسلب حزينا، دار بيننا حديث عن الصلاة وآثارها، طلبنا ما نريد، أخرج أحدهما سجارة وهمَّ بتوليعها، استوقفته بلطف، قال لي : كل ما تقوله عن التدخين من أضرار ومفاسد أعرفه ولكنني لا أستطيع أن أتوقف.
قلت له: أسمع مني يا ولدي ولست مطالب أن تأخذ بما أقول .
قال لي: لا بأس سأستمع لك بكل جوارحي.
سألته عن عمره، 25 سنة، عن عمله، عن أهله، عن ثقافته، كان يجيبني بكل تلقائية وود، في بضعة دقائق أصبحنا كأننا نتعارف منذ زمن.
أخبرته عن الآثار السيئة للتدخين، الجانب النفسي، الجانب الصحي، الجانب المالي، أخبرته عن أحد الأصدقاء الذي كان يشتغل معي قبل 20 سنة وكان كثير التدخين وكنت أنصحه بالتوقف عن التدخين ولكنه لم يتوقف، قبل أشهر أصيب بجلطة مما استدعى منه أن يقوم بعمليات مختلفة كلفته الكثير ورغم ذلك لم يرجع إلى حالته العادية فلقد ترك التدخين آثارا كبيرة، لما إلتقينا قبل أسابيع قال لي : يا سي سماري إنني قد توقفت عن التدخين فلم أدخن من 9 أشهر ولكن تمنيت لو أن توقفت قبل ذلك لما كنت تنصحني.
ثم كلمني الشاب عن نماذج أعرفهم وكيف فعلهم فيهم التدخين فعلته، ثم سألته : هل أنت متزوج، قال : لا ولكنني سأفعل إن شاء الله.
قلت له : عافاك الله، وأبعد الله عنك كل مكروه، ولكن كيف تفعل إذا ترك التدخين آثارا على جهاز التنفس وكنت طريح الفراش وجاء صديقك هذا لزيارتك ولم تستطع القيام لفتح الباب فتحته زوجتك وقالت لك : صديقك بالباب يريد رؤيتك؟
ثم كيف سيكون حالك لا قدَّر الله إذا أثر التدخين على جهازك التناسلي وحيوانات المنوية فجاء أحد أبنائك مشوها ... إستوقفني قائلا : كفى يا سيدي، ماذا أفعل ؟
قلت: الأمر بسيط، كم تدفع شهريا للتدخين ؟
قال : مليون سنتيم سهريا أقل أو أكثر حسب الايام .
قلت : مساء اليوم وأنت خارج من عملك إشتري لوالدتك قنينة عطر، لما تدخل البيت بعد السلام ضع في يدها قارورة العطر، قبِّل جبينها، أنظر في عينيها، ضُمَّها إليك، وقل لها : يا أمي لقد أُبتليت بالتدخين رجاءً أدعي لي أن أتوقف .
قال لي: سأفعل إن شاء الله ولكن عندي لك طلب.
قلت : طلبك مستجاب بإذن الله.
قال : أعطني رقم هاتفك سأتصل بك قريبا.
أعطيته رقم الهاتف، توادعنا وتواعدنا، أكملت مع الأستاذ الشريف طريقنا إلى مطار باتنة وأكملنا خلال ذلك حديثنا، وصلنا للمطار، شكرته على هذا الجهد وتلك الصحبة الطيبة، رجع إلى سيارته وقفل عائدا ، دخلت المطار، سلّمت على الأعوان والعمال، عرفني أحدهم رغم وضعي لِلِّثام الواقي، وقفنا نتكلم في أمور شتى، جاء آخر، سلّم، رددت السلام، قدم نفسه، سأل بكل أدب من أكون، أجاب زميله، كان بيده سجارة، نظرت في عينيه ثم في السجارة، لم أتكلم ليسانس ولكن عَيْنَيَّ قالوا الكثير، أطرق وقال : يا أستاذ ابتلاء فماذا نفعل؟
إنسحبنا إلى زاوية من الزوايا العام بعض الأعوان، قال لي: قل فكلي آذان صاغية.
أعدت شريط الصباح ببعض التعديلات بما يليق بين ومقام الرجل، فهو كهل متزوج له أولاد موظف مثقف من سكان العاصمة، الوظيفة جاءت به إلى باتنة، بعد أسابيع سيُحَوَّل إلى ولاية تيبازة ويقترب من أهله. بعد سماعي قال لي: ما العمل للتخلص من هذا الخبيث ؟
قبل الإجابة، سألته عن والدته، هي قد تجاوزت السبعين ولكنها في صحة جيدة، نصحته أن يفعل معها بما نصحت به شاب المحطة، طلب مني ما طلبه الشاب، رقم الهاتف، أعطيته إياه، قال : سأتصل بك عما قريب إن شاء الله.
زملاؤه واقفون ينظرون تارة إليه وأخرى إليّ، قال أحدهم : شكرا جزيلا كلنا سنفعل.
إستأذنتهم للإنصراف،
رافقني إلى مكان التسجيل، افترقنا، قمت بالتسجيل والمرور لقاعة الانتظار، بدأت كتابة هذا المنشور، ركبنا الطائرة، بعد قليل ستنطلق بنا إلى العاصمة ...
كلمت أخي محمد مكركب لينتظرني في مطار العاصمة ...
باسم الله، بإسم الله، باسم الله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهم بك نصول وبك نجول وبك نسافر، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون ...
اليوم مع : سورة لقمان ... رفيقتي في هذه الرحلة.
د. عبدالقادر سماري