خاطرة !
خاطرة !
جلست إلى نفسي في خلوتي، تأمَّلت في ذاتي في عائلتي في عشيرتي في حركتي في وطني في أمتي بل وفي البشرية كلها، تدبرت الأحوال التي مرت فيما أعرف، غصت في أعماق التاريخ مستحضرا الآلام والأحزان التي عاشها أصناف البشر، تذكرت المآسي الجماعية من أمراض وأوبئة وحروب وزلازل وفيضانات وبراكين وكيف جرفت الكثير وأودت بحياة الملايين وأتلفت المحاصيل وعطلت المصالح، فكانت حوادث مأرب، مسينا، إزمير، هيروشيما، نكازاكي، 8 ماي 45، الشلف، سوريا، اليمن، ... وغيرها من أحداث ماثلة أمام عينيَّ كمآسي جماعية، ترى كيف عاشها من عايشها، وأي آثار نفسية واجتماعية خلفتها وكم دامت، ثم تلتها في مخيلتي المآسي الفردية في أول مأساة عرفتها الإنسانية، أحد إبني آدم يقتل أخاه، هل كان آدم وحواء أحياء حين حدث ذلك، كيف كانت نفسيَّاتَاهما، هل تقطعت أكبادهما وارتجت قلوبهما، هل سالت الدموع من مآقيهما بحارا وأنهارا، ثم تتابعت الأحداث في ذهني مع مرور شريط الزمان، مآسي الأنبياء والرسل ومعاناتهم، فكانت صورتا ( يحي وأبيه زكريا عليهما السلام )، التي لا أعرف ملامح وجهيهما، ماثلة أمامي، في ذاك المشهد الرهيب،وقد سيق ( يحي ) إلى المقصلة ليكون رأسه مهر إمرأةٍ بغي تزف بعده إلى حاكم أورشليم (القدس)، فهل كان (زكرياء) حيّاً حين نفذ الإعدام في إبنه ( يحي ) الذي بُشِّر به قبل سنوات، وكيف كان يحدث نفسه بل وكيف كانت نفسية أولئك النفر الذين آمنوا بيحيى واتبعوه وهم يعرفون نُبله وشرفه وعِفّته ، تسارعت الأحداث، توقفتُ عند مأساة أخرى لصنف آخر من الناس، إنها مأساة يوليوس قيصر بيزنطة، أهل القصر يتآمرون عليه فيطعنوه مجتمعين حتى الموت وأثناء الطعن ينظر في وجوه القتلة فيجد من بينهم صديقه المقرب ( بروتوس ) حاملا سكينه يقطر دما وقد شارك في الطعنات فيقول القيصر مستغربا وقد حان أجله ( حتى أنت يا بروتوس ... ) فبقيت تلك الكلمات معبرة عن عمق أثر الخيانة التي تُنسيك ألم الطعن ذاته، نفس هذه كلمات قالها السيد عبد الحميد مهري لأحد أصدقائه ممن شارك في الإطاحة به، فأي نفسية كان عليها يوليوس في تلك اللحظات، ثم كانت مأساة أخرى أشد ألما، رجل حَيِيًّ تستحي لِحَيَائِه الملائكة، مبشر بالجنة، رضي الله عنه، يتوافد الأوباش على بيته من كل الاقطار، يطعنونه وهو يقرأ القرآن، والمدينة ملأى بالصحابة والتابعين وتُنفَّذ الجريمة، مكتملة الأركان، ليفتح باب واسع من الأحزان والآلام، تعقبها بعد سنوات مآسي أخرى في مقتل علي ثم الحسين رضي الله عنهما، فأحاول أن أتخيل نفسياتهما ونفسيات القتلة ونفسيات عموم الناس في تلك اللحظات الفارقة، فلا أستطيع لهول الموقف وعظم الخَطب، ويمر شريط الزمان في ذهني مستحضرا آلام ومآسي ومعاناة علماء ومصلحين التي قرأناها في مطالعاتنا ( هيباتيا عالمة الاسكندرية، غاليليو، جوردانو برونو، مايكل سيرفيتوس، لوسيليو، الفرابي، ابن سينا، ابن رشد، لسان الدين بن الخطيب، مالكوم اكس، حسن البنا، سيد قطب، الحسيني، ابن باديس، الابراهيمي، زبانة، بن بولعيد،... )، ثم كان حاضرا في ذهني رجال ونساء عشت معهم وعرفتهم عن قرب، بعضهم أنا مُطِّلع على شريط حياته ومعاناته، والبعض آخر أخبرني هو عن تفاصيل ما مر به، أذكر منهم ( عبداللطيف سلطاني، محمد بوسليماني، عباسي مدني، محفوظ نحناح، عبدالرحمن شيبان، عبدالحميد مهري، علي العايب ...) كل هؤلاء وغيرهم الكثير عاشوا عنتاً كبيرا من أقوامهم وفي بعض الأحيان من المقربين منهم، وأثناء هذا الاستذكار وخلاله كانت سيرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، حاضرة بكل تفاصيلها، ما لاقاه عند الكعبة، وفي الشِّعاب، وفي الطائف، وفي بدر، وفي أحد، وعند الخندق وفي حنين وفي غيرها من المواقع ... حضرني بعض ما كان من أحوال أمي وأبي وأجدادي وأعمامي وأخوالي، ثم ذكرني أحدهم بمأساة الجزائر وأحداثها المروعة خلال سنوات التسعينات من القرن الماضي، استذكرت كل هذا وأنا أعيش بعض الأوضاع التي فيها شيء من الألم المقدور عليه بإذن الله... فقلت لنفسي : هوِّني عليك ستمضي كل هذه الأحداث ستمر الأيام والأسابيع والأشهر والسنين ستبقى ذكريات في الذهن ومذكرات في الأوراق وحكايات عند من يعرفها ثم تُنسى ... دخلت غرفة إبنتي سردت عليها ما جال بخاطري ثم قلت لها : بعد 200 عام، سنة 2221 هل تظنين أن أناس ذاك الزمان يتذكرون معاناتنا وآلامنا ويحسون بها، وهل أنتِ الآن تعرفين شيئا عن جدك التاسع ( عيسى بن عمر بن سالم ) الذي عاش في القرن السابع عشر، وهل هو الآن يعبأ لما يحدث لإبنة إبن إبن ... إبنه، حفيدة أحفاده ... آلامنا ستُنسى وتُطوى صفحاتها ولا يرافقنا إلا الرضى والحسنات التي نأخذها معنا ... قلت لها هذا ثم رجعت لأُدوِّن في هذا المنشور بعض ما بقي في خاطري مما جال به لعله يفيد من يقرؤه.
إلهي وخالقي ومعيني نسألك اللطف والستر والعفو، والرضى منك ومنا ...
د. عبدالقادر سماري