واحدٌ من رجال دعوتنا.
واحدٌ من رجال دعوتنا.
مؤسسٌ من الجيل الأول في حركتنا.
فارسٌ بدأ النضال شابا.
رحل في مقتبل العمر شهيدا.
كي يعلم الناس أن الحركة لم توجد من العدم.
وليتفطن الشباب إلى ضرورة معرفة أسلافهم من الماضي القريب ...
تعارفنا قبل 40 سنة يوما بيوم،
ورحل عنا قبل 30 سنة يوما بيوم.
10 سنوات قضيناها خُدَّاماً للإسلام حماةً للجزائر ... هكذا كانت البدايات وهكذا كان الفراق ...
دخلت فرنسا يوم 22 سبتمبر 1982، بمجرد أن وطئت أقدامي أرضها حتى حدثت لي حوادث رسمتُ بعدها مسيرتي، إنتقلت إلى مدينة قرونوبل حيث قبولي بجامعتها لمزاولة دراستي العليا لتحضير الدكتوراه ، قضيت شهرا مع التسجيلات وترتيب الإقامة، ثم دعاني مجموعة من الطلبة الجزائريين، الذين كانوا بها قبلنا، للقاء يوم 26 أكتوبر 1982، منهم على الخصوص هذه المجموعة التي من بينها السيد الذي خصصت له هذا المنشور :
الهاشمي صغير، عبدالمنعم بن الصغير ، لخضر بيطام، رحم الله الثلاثة، محمد السعيد غيلاني، فؤاد لموشي، عمر عبدالقادر، حوزي أحمد حفظهم الله، كان برفقتي الآخ العربي زروال حفظه الله، أول شيء في ذلك اللقاء كان التعارف، الركن الركين في دعوتنا، كانت جلسة تواصل وتعارف وتناصح، ثم أصبحت لنا لقاءات أسبوعية، نبدأ فيها بالقرآن تلاوة وحفظا وأحكاما ثم يقدم أي واحد كلمة نناقشها وينتهي اللقاء بخلاصة ثم تحديد الموعد القادم، في إحدى المرات طلبوا مني أن أقدم الدرس القادم، أسبوع للتحضير، إخترت جولة في قوله تعالى :
(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله ) كان ذلك أول درس قدمته في فرنسا، أثناء النقاش كان عبدالمنعم متميزا في الطرح والاستدلال واستقراء الأحداث وبعث الأمل واستخلاص الدروس ... كان نقاشا عميقا هادئا، لم تكن لي به سابق معرفة ولكن شيئا ما جذب أحدنا للآخر فأصبحنا نلتقي في جلسات ثنائية في تلك الفترة كانت أحداث الجامعة المركزية ( 12 نوفمبر 1982 ) وما تبعها من اعتقالات ومشاكل وصراعات، كانت الأخبار شحيحة والمعلومات غير موثقة، فاستدعى الأمر إلى تكثيف اللقاءات وتعقب المعلومات، توطدت علاقتي بعبد المنعم وأصبحت جلساتنا متقاربة، فتقاربت أفكارنا وتآلفت أرواحنا وتحاببت في الله قلوبنا، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان فانتقل الآخ عبدالمنعم إلى باريس لعدة أسباب، وبقيتُ في قرونوبل ولكن بُعد المسافة لم يكن عائقا في التواصل بيننا، فكثيرا ما زرته إلى باريس أو جاء هو لزيارتنا في قرونوبل وخاصة في اللقاء الجامع للطلبة الجزائريين الملتزمين الذي كان في ماي 1983 ب قرونوبل حيث حضره ما يقارب من 50 طالبا ... استمرت علاقتنا بالمراسلات أو بالهاتف أو بالزيارات إلى أن أنهينا الدراسة، إلتحق الدكتور عبدالمنعم بجامعة بسكرة أستاذا للرياضيات ورئيس ( المجلس العلمي لمعهد الرياضيات والإحصاء ) وإلتحقتُ أستاذا بجامعة سطيف (مديرا للدراسات العليا بمعهد الكيمياء الصناعية)، فتكثفت اللقاءات مع الدكتور عبدالمنعم في بسكرة وسطيف والعاصمة، وكان يرافقه بالتناوب مجموعة من إخوان بسكرة ( نذير مصمودي رحمه الله، مسعود غريب، ساعد غزلي، فوزي جلاب، زرزور عدونة، حفظهم الله ) وإن كنت ناسيا فلن أنس تلك الليلة الشتوية حيث زارني مع ألآخ مسعود غريب والأستاذ نذير رحمه الله فوجدوا عندي الأستاذ عباسي مدني رحمه الله، بمناسبة المعرض الإسلامي الذي تقيمه جامعة سطيف سنويا، كان شهر أفريل 87 ولكن كانت الثلوج كثيفة فقضوا عندي في البيت بسطيف ثلاث ليالي متتالية لأن الطرق قد انقطعت، فكانت لنا جلسات حوار ونقاش في شتى المجالات وأذكر أن الاستاذ نذير مصمودي كان يكرر قوله : ((يا ربي ندخل الجنة ولو يعطيني ربي مكان عند الباب ...)) بعد ذلك وأثناء المؤتمر الداخلي للجماعة أصبحت مع الآخ عبد المنعم وآخرون عضوين في المكتب الوطني لتسيير العمل الدعوي، كان منسقا للجنوب، وكنت منسقا للشرق خلفا لأخي الأستاذ عبدالسلام قطوش حفظه الله، وكان بيننا تنسيقا كبيرا خاصة في الدورات وإحياء المناسبات وتأطير الطلبة والجامعات، ومن لطائف ذلك الزمان أن ولاية باتنة كانت تابعة للشرق الجزائري ثم أن الإخوة في عين التوتة التابعة لولاية باتنة طالبوا بأن تُلحق باتنة بالجنوب، فذهب الآخ عبدالرشيد، حفظه الله، إلى الشيخ بوسليماني، رحمه الله الذي كان نائب الشيخ محفوظ ومسؤول التنظيم، فكان نقاشا بيننا طويلا، وضعنا شروطا والتحقت باتنة بالجنوب، ثم بعد أشهر رجع إخوة باتنة يطالبون بالرجوع إلى الشرق فرُفض طلبهم بعد أخذ ورد ... وخلال تلك المرحلة تم تأسيس ( المجلس الوطني للتخطيط ) الخاص بالجماعة ، كان رئيسه الدكتور عبدالمنعم وكنتُ نائبَه، وكان يضم عضوا من كل ولاية، قدم مجلس التخطيط في مراحله المختلفة مجموعة كبيرة من الخطط والبرامج، في العمل الدعوي، في العمل السياسي، في العمل الطلابي، في خصوصية بعض مناطق القطر الجزائري، في التواصل مع مختلف شرائح المجتمع وغيرها من المجالات، يمكن أن تكون موجودة في أرشيف الحركة، كانت الأحداث تتوالى تباعا، حتى كان دستور فبراير 89 ، وازداد الضغط داخل الجماعة وبقينا سنتين في نقاشات مطولة حول سؤال واحد ( هل نؤسس حزبا سياسيا أم لا ؟ ) اختلفت الآراء مجموع الساعات خلال السنتين من النقاش والحوار كانت ( 87 ساعة نقاش ) ليتم بعدها الاتفاق على تأسيس ( حركة المجتمع الإسلامي وتعقد مؤتمرها التأسيسي يوم 29 ماي 1991 )، توالت بعدها الأحداث ثم كانت الانتخابات التشريعية التعددية الأولى يوم 26 ديسمبر 1991، ثم تم توقيف المسار في جانفي 1992، بعد ( إستقالة) الشاذلي بن جديد رحمه الله، وبدأت المأساة الوطنية، في تلك الأوضاع أصدر المجلس الوطني للتخطيط الكثير من الخطط والإجراءات الاحترازية والضرورية لتتماشى مع متطلبات المرحلة في مختلف الأنشطة والمجالات، كانت لقاءات المكتب الوطني للحركة أسبوعيا، نلتقي كل يوم الإثنين في العاصمة، نقدم التقارير الأسبوعية نتابع المستجدات ثم نتخذ القرارات حسب مختلف الأوضاع وبعدها يذهب كل واحد إلى ولايته وعمله، لم يكن هناك تفرغ، كل شيء كان تطوعا، كان صيف 1992 طويلا شاقا مؤلما ولكن لم نتوقف عن العمل والنشاط، مخيمات، دورات، لقاءات، ومع تزايد الأحداث والاختطافات والاغتيالات والعمليات طُلِب من ( المجلس الوطني للتخطيط ) أن يُعِدَّ خطة أمنية لحماية الأفراد والممتلكات، سهرنا على إعدادها عدة أيام مع ثلة من أبناء الحركة والمتعاطفين معها، وفي يوم ( الإثنين 26 أكتوبر 1992 ) في مثل هذا اليوم، عقدنا لقاء المكتب الوطني برئاسة (الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله) وحضور كل أعضاء المكتب الوطني بما فيهم (الشيخ محمد بوسليماني رحمه الله ) تناولنا نقاط جدول الأعمال على النحو الذي ذكرته سابقا، وصلنا إلى النقطة الخاصة بالوضع الأمني، قدم (الدكتور عبدالمنعم رحمه الله) الورقة التي أعددناها في ( المجلس الوطني للتخطيط ) أثراها الإخوة أعضاء المكتب في نقاش مسؤول هادف تمت المصادقة عليها، ختمنا لقاء المكتب بعد سبع 7 ساعات من العمل المتواصل بنصائح وتوجيهات ودعوات، توادعنا، أمام المقر وقفت مع الدكتور عبدالمنعم رحمه الله، سألته عن الآخ ( مسعود غريب حفظه الله ) بحكم أنه كان دائما يرافقه من بسكرة إلى العاصمة، قال : معي الآخ ( خالد قرطي حفظه الله ) نتعاون في السياقة ... توادعنا، رجعت إلى سطيف وهو مع رفيقه إتجاه نحو بسكرة ... وصلت إلى سطيف بعد صلاة العشاء من يوم الاثنين، في حدود العاشرة والنصف يرن الهاتف، على الخط الأخوين : ( بشير عون و مسعود غريب) يخبراني بالفاجعة، الدكتور عبدالمنعم رحمه الله عمل حادثة في منطقة ( فرفارة ) قرب مدينة ( طولقة ) ولقد توفي في عين المكان ورفيقه (خالد ) كان هو السائق به عدة كسور ورضوض وجراح وهما الآن في مستشفى ( طولقة ) استرجعت ولكنني لم استوعب الخبر، إستفسرت مرة وأخرى لأتأكد، كاد عقلي يطير، وكاد قلبي ينفطر، وكاد كبدي يتفتت، كانت دعواتي له لا تنقطع وأنا أكرر : سبقنا اللهم اجعل مثواه الفردوس فقد كان مسافرا في سبيلك ... بدأتُ بالاتصالات لأخبر الإخوان في مختلف الولايات تم تحديد الجنازة غدا الثلاثاء 27 أكتوبر، استفسرت من الإخوة في العاصمة عن حضورهم الجنازة، أخبروني أن الشيخ محفوظ رحمه الله سيسافر إلى بسكرة جوا بالطائرة مع وفد الحركة المركزي... إنتقلت من سطيف إلى بسكرة في وفد كبير ومنها إلى مدينة ( جامعة ) مسقط رأسه وحيث يكون مثواه الأخير ... وصلتْ الوفود ، قمنا بواجب الدفن ثم كانت الكلمات، ألقيت كلمتي المقتضبة عن مسار الرجل واجتهاداته، عن لقاءاتنا وأعمالنا، عن حبنا في الله، كانت كلمة من بين كلمات الاساتذة والمشايخ ثم ختمنا التأمينية بكلمة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله معددا خصاله وعطاءاته ووفائه وفهمه وصبره وتضحيته لم يستطع الشيخ محفوظ إكمال الكلمة فأكملها الأستاذ (عبدالحميد مداود )حفظه الله ...
رحل في مثل هذا اليوم ، قبل 30 سنة ألآخ المربي الداعية الدكتور ( عبدالمنعم بن صغير رحمه الله ) وقد ترك خلفه عملا أسسه مع إخوانه في جنوبنا الكبير بالعرق والمداد مضحيا براحته ووقته وماله، كما خلف وراءه ستة إناث هن الآن نساء وذكر ( أنس ) هو الآن رجل ... اللهم اغفر له وارحمه وأرض عنه وتقبل منه وأصلح ذريته من بعده وألحقنا اللهم به على خير ...
كم هي قصيرة هذه الحياة ...
د. عبدالقادر سماري
