قبل قليل فرغنا من مراسيم تشييع جنازة ( المجاهد عمي عثمان بلوزداد رحمه الله وأسكنه فسيح جناته) صلاة، ودفنا، ودعاء.
قبل قليل فرغنا من مراسيم تشييع جنازة ( المجاهد عمي عثمان بلوزداد رحمه الله وأسكنه فسيح جناته) صلاة، ودفنا، ودعاء.
وهكذا تودع الجزائر آخر عضو من مجموعة ال 22 الذين فجروا ثورة التحرير المجيدة،
عرفته رحمه الله من خلال قراءاتي التاريخية لمراحل الكفاح والجهاد الجزائري ضد المحتل الفرنسي، كان إسمه مثل أسماء غيره من الشهداء والمجاهدين الذين نفتخر بهم ونجعلهم لنا نماذج نقتدي بهم في مسيرتنا النضالية، فكانوا لنا أيقونات ورموز ومعالم في طريقنا النضالية، دون أن نلتقي بالكثير منهم ودون أن نتواصل معهم ودون معرفة شخصية بهم، وذات يوم من سنة 1994، بعد أن أنهينا لقاء المكتب الوطني لحركة المجتمع الإسلامي، استفسر مني الحاج سليمان دهيري، حفظه الله، إذا كنت في الغد سأكون في العاصمة، فقلت له: حسب ما هو مطلوب وحسب طبيعة العمل .
فقال: سيكون لنا موعد مع بعض عظماء رجال الحركة الوطنية.
قلت: هذا موعد نترك من أجله كل شيء ونبقى في العاصمة.
قضينا أمسية ذلك اليوم متنقلين بين أحياء العاصمة في زيارات وجلسات مع الإخوان، كانت الظروف الأمنية سيئة جدا ورغم ذلك لم توقفنا عن التواصل، بتنا ليلتنا في بيت الحاج سليمان في القبة وفي الصباح، وكعادة الحاج سليمان التي لم يتركها إلى اليوم، ذهبنا إلى مقهى الساحة في المدنية salembier، إلتقينا مع مجموعة من قدامى العمل والنضال، أذكر منهم، عمي محمد قراط وعمي أحمد رحمهما الله، والإخوة: محمد بن براهم، مراد، محمد لقواسي شفاه الله، أخذنا معهم قهاوي وشايات ودردشنا بعض الوقت ثم إنطلقنا نحو ( بلكور ) كان الموعد في مقهى الزاوية في شارع ( بلوزداد ) كانوا مجموعة من الكهول والشيوخ تعلو وجوههم جميعا الهيبة والجدية وقد غزى الشيب رؤوسهم فزادهم وقارا، استقبلونا على طاولتهم بحفاوة، كانت لهم معرفة جيدة بالحاج سليمان، تعرفت على أحدهم ( السيد حسين ممجي ) الذي كنت قد إلتقيته في ( ستوكهولم ) لما زرت ( السويد ) في ديسمبر 1992، فقد كان وقتها سفيرا للجزائر بالسويد، تبادلت معه التحية والسلام وبعض الكلمات عن تلك الزيارة التي كانت في ظروف خاصة جدا، إذ كانت بعد مرور سنة تماما من توقيف المسار الانتخابي ، ثم عرّفني الحاج سليمان بالآخرين ( بن عدودة( الذي أصبح فيما بعد رئيس بلدية قنزات بولاية سطيف وتواصلنا كثيرا بعدها)، أحمد كابة، عثمان بلوزداد رحمه الله، وآخرون ) كان وقتها عمي عثمان( كما أصبحت أناديه كلما إلتقينا ) كان في كامل صحته وقوته رغم أنه قد قارب السبعين، قوي الذاكرة، دقيق الكلمات، عميق الفهم للأوضاع، شديد الثقة، كله أمل ... فكانت تلك أول جلسة مع هذا البطل الذي سمعنا عنه ولم نره، فهو واحد من صنّاع معجزة الجزائر واحد ممن صاغوا ملحمة الجزائر كانت لنا بعد ذلك لقاءات ... أما الآن فقد جئنا لتوديعه في هذه الجنازة المهيبة، لعلنا نلتقي يوما في فردوس الأعلى، كان من بين الحضور في تشييع الجنازة ( الحاج سليمان دهيري حفظه الله) الذي كان سببا في لقائي الأول بالمرحوم، استرجعنا بعض الذكريات في كلمات صامتة، كما كان في المقبرة ( السيد بن عدودة ) الحاضر معنا في أول لقاء قبل ما يقارب 30 سنة، جاء وفاء لتلك الصداقة الخالصة رغم أنه قد تجاوز 80 سنة سألته عن عمي (حسين ممجي) فأخبرني أنه طريح الفراش مريضا، فدعونا له، كان أيضا حاضرا في الجنازة بعض المجاهدين من بينهم ( عمي عبدالهادي سايح، عمي مصطفى بوخاتم حفظهما الله ) وآخرون، قليلون هم لأن ذلك الجيل قد ارتحل معظم رجاله ونسائه إلى دار الخلود، رحمهم الله، كان الحضور داخل المقبرة وخارجها كثيف جدا، وكان الكل واقفا في وجوم، وكنتُ سارحا بفكري في لقاء الارواح، في ذاك اللقاء الذي سيكون بعد قليل في البرزخ، أو يكون قد بدأ منذ لحظة خروج الروح من سجنها، لقاء بين روح فقيدنا ( عثمان بلوزداد رحمه الله ) و أرواح ( الشهداء والمجاهدين الذين سبقوه ) تخيلت لقاءه مع أخيه ( محمد بلوزداد رحمه الله ) الذي كان قائدا للمنظمة الخاصة، النواة الأساسية لثورة التحرير، والتي كان عثمان عضوا فيها، وقد افترقا قبل 70 سنة لما توفي ( بلوزداد محمد 1952) ولم يبلغ 30 سنة من عمره، ليكمل أخوه (عثمان) المسيرة مع من تبقى إلى أن تحررت الجزائر، والآن ستلتقي روحاهما سيتبادلان الاشواق ، ثم رحت أتخيل أطياف ال 21 الذين سبقوه ( بن بولعيد، بلمهيدي، بوصوف، بوضياف، بن طوبال، مرزوقي، بوعلي، بيطاط، سويداني، بن عبدالمالك، لن عودة ... رحمهم الله جميعا) تُرى عن ماذا سيسألونه؟ عن الجزائر؟ عن الاسلام؟ عن الشعب؟ عن طبيعة نظام الحكم؟ عن الأوضاع الاجتماعية؟ عن علاقاتنا مع الدول العربية؟ عن علاقاتنا مع فرنسا؟ ... فيكمل لهم الصورة بعد التقرير الذي يكون قد قدمه لهم آخر الراحلين ( السيد عبدالقادر العمودي رحمه الله ) الذي غادر حياتنا قبل ثلاث 3 سنوات تماما ( 12جانفي2019 )، ...
هذا إذا كانت أرواح الأموات لا تعرف ماذا يجري في دنيانا حسب أحد الأقول ... أما إذا كان الأمر حسب الرأي الثاني بأن أرواح الأموات تعرف وتتابع واقع الأحياء فإنه لن يضيف لهم أي شيء وسيبقى معهم يتابعون حياتنا، مرة يفرحون بإنجازاتنا ومرة أخرى يحزنون لسوء أحوالنا... حتى نلتقي جميعا هناك عند المليك المقتدر.
د. عبدالقادر سماري