الدكتورعبد القادر سماري

أيُّ فكرةٍ، وأيُّ مشروعٍ يمكن أن يستقطب أبناء شعبنا للعمل له والإلتفاف حوله والتضحية في سبيله :

أيُّ فكرةٍ، وأيُّ مشروعٍ يمكن أن يستقطب أبناء شعبنا للعمل له والإلتفاف حوله والتضحية في سبيله :
في تاريخنا المعاصر كانت هناك محطات وقف فيها رجال كل مرحلة معلنين أفكارا ومشاريع تقتضيها الظروف والاحوال، فأصبحت واجب ذلك الوقت، فألتف حولها مختلف شرائح المجتمع وعملوا لها وبذلوا الغالي والنفيس فحققوا منها نسبا عالية، ومنها على سبيل المثال :
1- سنوات العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي تسلطت فرنسا وحرمت الشعب الجزائري من أدنى حقوقه فانتشر الجهل والمرض والفقر ودَبّ الشقاق والاختلاف، وهنا وقف مجموعة من الرجال، فَهِموا أزمة شعبهم ومتطلبات إحيائه، فصاغوا أفكارا ومشاريع وانطلقوا في نشرها، أفرادا وجماعات، في ربوع الوطن وخارجه، كل حسب موقعه وطاقته، فاستجابت لهم شرائح من المجتمع، فتحقق على أيديهم الكثير، وكانت تلك المشاريع والافكار متمحورة حول : ( إحياء عقيدة التوحيد ولغة الضاد - نشر العلم بمختلف الوسائل - تجميع الجزائريين في جمعيات ونوادي - التمايز عن الفرنسيين الكفار في كل شيء ...) وهنا برزت مجموعة من الشخصيات كانت بمثابة القاطرة للأمة فتحقق الكثير مما كانوا يصبون إليه، منهم على سبيل المثال لا الحصر ( إبن باديس، مصالي الحاج، الابراهيمي، الورثلاني، فرحات عباس، أبواليقضان، بيوض .. وغيرهم ) فكان ما كان من نهضة وبداية عودة الامة ...
2- أواخر الأربعينات وقد وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وكان رجال تلك المرحلة قد احتكوا بأقوامٍ وشعوبٍ أخرى وفهموا أنه حان الوقت لرفع مستوى المطالب وأن الأمر يتطلب تضحيات جسام، فوضعوا نصب أعينهم أفكارا ومشاريعَ وحددوها في بعض المقاصد والوسائل منها على الخصوص : ( إنهاء الانقسام - الابتعاد عن هيمنة الشخص الواحد - الوصول إلى الاستقلال بأي ثمن - إذكاء روح النضال والحهاد ...) وكان من بين رواحل تلك المرحلة ( بن مهيدي - بن بولعيد - بلوزداد - بوضياف - بن طوبال - آبت أحمد - كريم ...) فوظفوا مكتسبات المراحل السابقة ونبذوا سلبياتها، فكان بيان أول نوفمبر، وكانت جبهة وجيش التحرير الوطني وتحقق المقصد الأساسي من الفكرة والمشروع.
3- مع الاستقلال، كانت الأمة تُبعث من جديد، والشعب مثخن بالجراح، وكل شيء فاغِرٌ فاهُ ينتظر من يملأه ، فكان التحدي كبير، والوطن يستدعي البناء والحال يقتضي رفع التحدي فتحددت مجموعة من الأفكار والمشاريع منها ما نال الإجماع ومنها ما كان محل خلاف، نذكر منها( إستكمال الاستقلال، تكريس القيم، تعمير البلاد ، تعليم وتكوين النشأ، بناء المؤسسات، ملأ الفراغات التي تركها المستدمر في هياكل الدولة، لملمة جراح الشعب ... ) وظهرت رموز وشخصيات نالت دعما أوليا ( بن بلة - بومدين - بن يحي- مالك بن نبي - مولود قاسم ... ) وانطلقوا في البناء والتشييد ورغم ظهور بعض الخروقات والاختلالات ولكن تحقق جزء معتبر مما خطط له من تعليم ومؤسسات ومرافق وتصنيع وحضور إقليمي ودولي...
4- أواسط السبعينات طفى على الساحة التيار الفرنكو-شيوعي وطغى على معظم مفاصل الدولة وحاول أن يمتد إلى عمق المجتمع وكاد أن يهيمن على مظاهر الحياة وكان له رموز وشخصيات مؤيدة وداعمة ( من داخل منظومة الحكم وخارجها، لا نرى حاجة لذكرها ) ، فانبرى لهم جمع من الرجال ( من داخل منظومة الحكم وخارجها أيضا) وانطلقوا في أعمال فردية وأخرى جماعية، يتوافقون في أشياء ويختلفون في أخرى، نذكر منهم ( عبد اللطيف سلطاني - أحمد سحنون - العرباوي - شيبان - حماني- النحناح - بوسليماني - عباسي - محمد السعيد - جاب الله - حجار - مهري ... ) هؤلاء وغيرهم وضعوا نصب أعينهم أفكارا ومشاريع، توافقوا في بعضها واختلفوا في أخرى، ولكنهم عملوا لها وضحوا من أجلها منها على الخصوص ( تكريس التعريب - إحياء روح الانتماء الإسلامي - رفض الشيوعية والاشتراكية والفرنكوفونية - رفض التسلط والأبوية - المطالبة بالحريات ... ) فشهدت الجزائر تدافعا كبيرا وحركية متسارعة أفضت إلى صحوة إسلامية كبيرة وتغيير جذري في القوانين والدساتير، وفي نفس الوقت ظهر مقابل ذلك تيارات أخرى من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال ... وأمام ذلك التدافع حدثت المأساة الوطنية وكادت الجزائر أن تنهار وكانت الفاتورة في الأرواح والممتلكات كبيرة جدا لا تزال آثارها إلى الآن ولكن الله سلَّم، فمررنا إلى مرحلة أخرى ...
5- وبعد استرجاع الأمن والاستقرار والتعافي النسبي وإعادة المؤسسات رغم ما كان يعتريها من ثلم فكانت سنوات العشرية الأولى من هذا القرن بحركية جديدة ومع الوفرة المالية، إستشرى الفساد وكان التلاعب بالثروات والخيرات وتشكلت اللوبيات فجاء (( الحراك )) بترتيب أو دون ترتيب، المهم أنه وضع نصب عينيه فكرتين ومشروعين أساسيين هما (( رفض التمديد - ورفض العهدة الخامسة - محاسبة اللوبيات - إيقاف النزيف المالي ...) فألتف الشعب حول ((الحراك)) مع تنوع الشعارات واللافتات المرفوعة دون وجود قيادات ومرجعيات موحدة فتحقق (( منطوق)) أهداف الحراك وغايته ومرت تلك المرحلة بأقل التكاليف ...
وها نحن في عهد جديد : فما هي التحديات وما هي الفكرة وما هو المشروع الذي يجب رفعه والعمل له ليلتف عموم الشعب حوله وينخرط في تحقيقه في المرحلة القادمة ... هذا ما سنحاول إستشرافه في المنشور القادم ... وبالله التوفيق.
د. عبدالقادر سماري