الدكتورعبد القادر سماري

بعد ثلاثة أيام قضيناها

بعد ثلاثة أيام قضيناها
في رحاب مدينة رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
في المسجد النبوي
حيث الروضة بين قبره ومحرابه،
وحيث قبره مع صاحبيه
ثم مكان موقعة أحد
بين جبل أحد وجبل الرماة
ثم مسجد القبلتين الذي تم فيه تحويل القبلة من الأقصى إلى الكعبة
ثم مكان الخندق حيث السبعة مساجد
فمسجد (قباء) أقدم مسجد بناه رسول الله،
وغيرها من المزارات
ها نحن نشد الرحال
نحو بيت الله الحرام
نتوقف في ( ذي الحليفة ) ( أبيار علي )
نصلي ركعتين
ونعلن:
لبيك اللهم عمرة
لبيك اللهم لبيك
لبيك لا شريك لك لبيك
إن الحمد والنعمة لك والملك
لا شريك لك
ونستمر في التلبية
ونحن في نسلك الطريق الذي سلكه الحبيب المصطفى
قبل 1444 سنة
من حين لآخر
نتوقف عن التلبية
لنتطرق لموضوع ذي صلة
نتكلم عن هجرته عبر هذه المسالك الجبلية عن يميننا
كيف قطعها مع صاحبه ودليلهما، في ظروف تكاد تكون مستحيلة
الغاية من رحلته ( الهجرة) تبليغ رسالة ربه لإخراج البشرية من ظلمات الجهل إلى نور الايمان
وموضوع آخر تكلمنا عن قصة ( أبيار علي ) وحكاية الملك الصالح سلطان دارفور ( علي دينار) رحمه الله صاحب المشروع،
وتتوالى المواضيع، مع التلبية، ولحظات دعاء وابتهالات ...
ولا تخلو رحلتنا من أوقات تدبر في الماضي البعيد الذي قرأنا عنه، وما حدث بين مكة والمدينة، وفي محيط جزيرة العرب ...
بدر، الحديبية، عمرة القضاء، حجة الوداع، الفتح، رسائل الملوك ، خروج الفاتحين ليبسط الحق ظلاله على معظم مناطق العالم القديم في أقل من خمسين سنة ...
والأحداث الأبعد :
تُرى من أين مَرّ إبراهيم عليه السلام مع زوجه هاجر وابنهما إسماعيل وهم قادمون إلى مكة من بيت المقدس . .
ثم الماضي الأقرب
كيف تشتت أوصال المسلمين خلال القرون الخمسة الأخيرة ليصبحوا أشلاء ممزقة تتقاذفهم الأمم ... حتى أن الحج والعمرة توقف في مراحل زمنية مختلفة، حتى كاد الاسلام يندثر ...
ليهيء الله رجالا ونساء أحيوا النفوس وبعثوا الأمل وأعادوا تشغيل عجلة الزمن لبداية رجوع هذا الدين ...
تذكرت في رحلتي هذه قصص جدي ( الحاج الضيف رحمه الله) وهو يحكي لنا حجته الأولى في أربعينيات القرن الماضي، والثانية في الستينيات، وتذكرت بعض أوراقه التي وجدتها بين دفتي الكتب والمصاحف وهو يسجل فيها رحلاته ...
وتذكرت أيضا حجة والدي ( سيدي عمار رحمه الله ) سنة 1978 وكيف رجع منها مصطحبا معه المصاحف والكتب وهدايا وكانت هديتي كتاب ( مفتاح دار السعادة ) ثم عمرته سنة 1983 ...
مرت بخاطري هذه الذكريات ... ابتسم مرة، وأخرى يهزني الشوق فتسبقني العبرات ... ثم
أرجع إلى ذكرياتي الخاصة مع هذه الأرض الطاهرة،
أول حجة، حجة الاسلام، سنة 1992،
كنا ثلاثة أنفار ( الحاج سليمان، محمد بوليو، عبدالقادر سماري) خرجنا من الجزائر قاصدين بيت الله الحرام، وهناك إلتأم جمعنا مع إخوان آخرين منهم على سبيل المثال :
من الأموات الشيخ محفوظ نحناح والشيخ بوسليماني والشيخ محمد قراط رحمهم الله
ومن الأحياء :
الحاج لخضر بكار
الحاج عبدالحميد هيشور
الحاج جعفر شلي
وآخرون
كانت حجة، ولا في الأحلام،
أتذكر تفاصيلها،
في المدينة المنورة عند المشايخ والعلماء، منهم الشيخ علي جريشة
الشيخ أبو بكر جابر
الشيخ محمد علي
وفي مكة وجدة والعزيزية
الشيخ عبدالهادي
الشيخ عامر العرابي
المهندس عبدالحميد
الشيخ علي سعدي
الشيخ رضوان
الشيخ عبدالنبي
وإن كنت ناسيا فلن أنسى تلك الجلسات في بيت الشيخ الدكتور عمر الزبير رحمه الله مدير جامعة الملك، وبحضور أعلام الأمة ونبلائها من كل الأقطار،
وكذلك جلسات الاستضافة التي كان يكرمنا بها المهندس ( عبدالرحيم المقدسي رحمه الله ) فتضم أقطاب الأمة، همهم كيفية الارتقاء بواقع الاسلام والمسلمين من أجل التحضير للمستقبل، ليس من أجلهم فقط بل من أجل البشرية البائسة التي تبحث عن مخلص مما هي فيه من تبهان ،
كما كانت لنا جلسات في ( مدارس النور) عند الشيخ ( فتحي رحمه الله )،
ومن محاسن ذلك العام من حج 1992 أنني إلتقيت ولأول مرة مع فضيلة الشيخ الإمام ( محمد باي بلعالم رحمه الله) كان لقاؤنا فوق سطح المسجد الحرام عند القباب الثلاث ، جلسنا إليه، استمعنا إلى بعض علمه ولطائفه وحِكَمه ، منذ ذلك الوقت توطدت علاقتنا زرناه إلى ( أولف ) وزارنا في سطيف والجزائر العاصمة ...
في تلك الحجة ونحن نستعد للمغادرة جوان 1992 يأتينا خبر إغتيال الرئيس محمد بوضياف رحمه الله لتبدأ مأساة بلادي، لم أستطع أن أستمر في الذكريات الأليمة ...
فقفزت بي الذاكرة إلى الحجة الثانية سنة 1995 والحجات والعمرات التي تلتها فكانت كلها مليئة بالعبر والدروس والمواقف والأحداث، لا يتسع المقام لذكرها ...
كل واحدة تعتبر محطة من المحطات التي نتزود منها لديننا ودنيانا ... تعارفنا خلالها برجال من مختلف الأقطار من أهل العلم منهم من قضى نَحْبه فانتقل إلى رحمة الله بعد أن أدى الذي عليه ومنهم من ينتظر نسأل الله لنا ولهم الثبات ...
حقا لقد كانت شعائر الحج والعمرة عبارة عن مواسم للتلاقي والتواصل، إلى أن جاء ( الشتاء العربي ) والذي يسمونه ( الربيع العربي ) والحقيفة لم يكن أبدا ربيعا منيرا مخضرا بل كان فصلا مجدبا مقفرا قحطا لم يأت بخير بل أفسد كثير من المسارات، ذاك الحدث الذي انخدع به الكثير،
ثم بعده شاء الله أن ينتشر وباء كورونا والذي غير الكثير من السلوكيات في عموم االبشرية ، ولم تسلم منه هذه البقاع الطاهرة،
كنت قد زرتها في عز الوباء فرأيت العجب العجاب حتى ظننت أن الأمر مبيت وأنها مؤامرة وخفت أن لا ترجع إلى الأمور إلى ما كانت عليه ...
ربما استرسلت في هذا الموضوع ...
المهم أننا قد وصلنا إلى مكة المكرمة، وضعنا أغراضنا وبدأنا نتهيأ لأداء العمرة في هذه الأيام الغالية من شهر رمضان، والعمرة فيه لها قيمتها، وبدأنا نستحضر النفسية التي نلتقي بها مع البيت العتيق لنكون ضيوف الرحمن، ملبين طائفين ساعين ...
اللهم تقبل منا
وتقبل اللهم دعواتنا لأحبابنا ومعارفنا وكل من أوصانا ومن لم يوصنا ...
اللهم آت كل واحد مسألته ...

د. عبدالقادر سماري