هنيئا لك أخي الحاج الطيب ولأمثالك،
هنيئا لك أخي الحاج الطيب ولأمثالك،
فقد بلّغْتَ
وأدّيْتَ
ووفَّيتَ
ونصحتَ
ثم سِرْت إلى ربك راضيا مرضيا إن شاء الله !
أحزن لفراقك، وبكيت لغيابك، ولكنني أفرح لك بالتباشير التي رأيتها في جنازتك، والدعوات التي سمعتها تخرج من أفواه الاطفال والشباب والكهول والشيوخ ...
فمنذ أن وارَيْنا أخانا الحاج الطيب، رحمه الله، التراب، وأنا كلما وضعت جبيني على الأرض ساجدا، أو خلوت إلى نفسي، إلا وجاءتني صورته،
وتزاحمت في مخيلتي مسيرته،
وتذكرت لقاءاته،
واستحضرت جلساته،
وجُلْت معه في أسفاره،
الحاج الطيب، وأمثاله منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر
أحيا الله بهم ما كاد يندثر،
وهدى بهم كثيرا من البشر،
في وقت
قلّ فيه المعين،
وكثر فيه التشيطين،
وتكالب المتربصون على الوطن وعلى الدين
فكان يراد للجزائر أن تكون
شيوعية
عروبية
شعوبية
فرنكفونية
متنكرة لباديس
متبعة أذناب باريس
منتهجة طريق إبليس
فوقفتم كالطود الأشم،
رافعين راية هادي الأمم،
مستمسكين بما جاء به من قيم،
متوثبين نحو معالي الهمم،
فكانت عين الله ترعاكم،
ويده تؤيدكم،
وتوفيقه يسندكم،
فتحقق لكم ولكم بعض مبتغاكم،
ونلتم حسنات جهودكم
أخي الطيب، رحمك الله،
لك ولأمثالك أقول
أن البذرة التي غرستموها قد نبتت
وأن النبتة التي سقيتموها قد أثمرت،
وأن الثمار التي رعيتموها قد ذاق حلاوتها الكثير ممن تعرفون ومن لا تعرفون،
ثمرة القرآن
ثمرة الذكر ،
ثمرة العمل الخيري،
ثمرة المجالس المنتخبة،
ثمرة التواصل بين الأجيال
رأيت هذه الثمار
حين وصلت إلى قرية ( عين دكار ) من بلدية بوسلام،
رأيتها في هذه الحشود التي قدمت من كل فج عميق إلى هذه القرية،
هذه القرية التي أنجبتك،
هذه القرية التي كنت واحدا من خيرة أبنائها
هذه القرية التي شيدت مع رجالها أول مسجد بها،
كم كنت مغتبطا،
فرحا،
مسرورا،
رغم الألم والحزن وأنا أستمع إلى الأمام الشاب، وهو يلقي الدرس بلغة عربية فصيحة، دون لحن ولا أخطاء، تتخللها شروح وتوضيحات بالقبائلية، تكلم عن الحياة الدنيا وزوالها، ثم تكلم عن الآخرة ونعيمها، واستطرد في شرح حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم :
(( لا تَزِل قدما عبد حتى يُسأل عن أربع ... ) العمر - الشباب - العلم - المال ، كان درسا شافيا كافيا
ثم اعتلى المنبر فبعد التشهدين والحمد والصلاة على المصطفى تناول موضوع (( الهداية )) النعمة التي ليس أفضل منها نعمة من الله على عباده وتناول قوله تعالى :
(( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا بمشي به في الناس ... ،))
كان هو يتكلم وأنا أقول في قرارة نفسي :
فزت أخي الطيب لك بكل كلمة بل بكل حرف يخرج من فم الخطيب أجرا ومثوبة ... هكذا كنت أتابع الأمر في قريتك التي كنت لها هادئا ومرشدا ...
هذه القرية التي عرفت فيك الشاب الملتزم الحيي التقي النقي السمح الكريم
ثم اختارك رجالها ونساؤها لتكون أول رئيس بلدية منتخب فيها إنتخابا حرا مع بداية التعددية
فكنت خير رائد
وخير مسؤول
وخير ناصح
بقيتَ في المسؤولية حينا من الدهر
ثم لما أردت المغادرة استطعت أن تجمع الفرقاء في مجلس متوافق متناغم همه خدمة الوطن ورفعة الدين وكرامة المواطن.
أخي الطيب ، رحمك الله، وعطر ريحك، وأعلى مقامك ،
إن كنت ناسيا فلن أنسى، تلك البدايات، لما كنا نبحث عمن يعيننا في شمال سطيف لإحياء ديننا وقيمنا ومبادئنا فكنت المبادر، وكنت السند، وكنت الرائد،
لن أنسى اللقاءات الأولى في بيتك،
لن أنسى جلساتنا الاولى مع الفئة القليلة من الشباب في إستخفاء، نتدارس أحوال ديننا ووطننا وشعبنا ،
نريد تجديد
لن أنسى حين كنت تأتي بالشباب من
بوسلام، بوعنداس، آيت نوال مزادة، تالة إيفاسن، بني ورثلان... بل حتى من بلديات بجاية المحاذية لولاية سطيف ، تأتي بهم إلى جامعة سطيف لحضور معارض الكتاب الاسلامي، والمحاضرات والندوات ... يتزودون ثم يرجعون دعاة هداة ...
ذكرني أخي الحاج حفظه الله بهذه القيمة : 1,20د.ج،
توزع ( التيكيات ) على الشباب، ونتفق مع مدير الجامعة ومدير الخدمات الجامعية ومديري الأحياء على تسهيل تناول الوجبات والإقامة ...
ثم كانت بعد ذلك الزيارات المكوكية للقرى والمداشر والاحياء ،
ثم تلتها المخيمات والندوات، والجولات،
ثم كانت الجمعيات والنوادي والنقابات ...
كانت تلك البدايات، في ولايتنا، ومثلها كان في باقي ولايات الوطن ... سهر عليها رجال ونساء كانوا حاملين نفوسهم في أكفهم همهم الوحيد :
وها هي الجموع الغفيرة تأتي في مواكب مهيبة لتودع رجلا من رجالات الجزائر:
مسلم ملتزم
جزائري أصيل
قبائلي حر
عاش للإسلام وللجزائر
وأمثاله من تلك المرحلة كثر
منهم من قضى نَحْبه ومنهم من ينتظر نسأل الله لنا ولهم الثبات ...
وأملي أن لا ينسى شبابُ اليوم شبابَ الأمس الذين هم الآن شيوخا لا ينتظرون جزاء ولا شكورا إلا دعوات خالصة عسى أن تنفعهم بين يدي بارئهم...
فإن نسوهم فإن الله لا ينساهم .
هممت بكتاب الأسماء، رجالا ونساء، من ذلك الرعيل الذين عشنا معا حلاوة الانطلاقة، ولكنني خفت أن تخونني ذاكرتي فأنسى بعضهم :
فإليهم جميعا أقول :
اللهم ارحم من سبقنا إليك وأكرم نزولهم،
وثبت اللهم الأحياء وألحقهم بك على خير ...
د. عبدالقادر سماري
