الدكتورعبد القادر سماري

كلمة مقتضبة عن الشيخ محمد امقران بن مالك رحمه الله

كلمة مقتضبة عن الشيخ محمد امقران بن مالك رحمه الله
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله
اليوم الخميس الفاتح (1) مايو 2014 و انا أتهيأ للسفر الى مدينة كتانيا بجزيرة صقلية من دولة ايطاليا بدعوة كريمة من الجالية الاسلامية بصقلية ،هذه الجزيرة التي كانت حضيرة من حواضر الاسلام لأكثر من خمسة قرون ( 500 سنة ) ثم فرط فيها المسلمون كما فرطوا في غيرها ، و قد طلبوا مني أن القي الجمعة ( غداً) و اقدم خلال مؤتمرهم السنوي محاضرة تحت عنوان " مجالات التعاون و التكامل بين الشرق و الغرب "" و قد تعودت منذ اكثر من اربع سنين ان اشاركهم هذا الحدث السنوي الهام ، و عزمت ان لا اتاخر عنهم هذه السنة رغم انه تزامن مع عرس ابن أختي عبد المومن حفظه الله و قد استأذنت منه قبل ذلك ، اثناء ذلك وصلني خبر وفاة المغفور له شيخي و أستاذي و صاحبي الشيخ محمد امقران بن مالك رحمه الله فاتصلت ببعض الأحباب الذين اعرف ان لهم به صلة و أخبرتهم الخبر ثم كلفت ابني المحامي عبدالستار ان يسافر مع والدته و إخوانه لمشاركة عائلة شيخنا هذا المصاب الجلل إذ أن علاقتنا العائلية مع الشيخ لم تنقطع لمدة طويلة ، و اثناء الرحلة يسر الله لي هذه الكلمات عن شيخنا رحمه الله عساها تعطي لشبابنا لمحة عن أحد الذين عبدوا الطريق و وضعوا المعالم و ارسوا الأسس في وقت عز فيه الرجال و قَلَّ فيه الرواحل، لكانت هذه الكلمات:
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه
إنا لله و إنا إليه راجعون
اللهم أجرنا في مصيبتنا و اخلفنا خيرا منها
تفقد الامة الاسلامية عموما و الجزائر على الخصوص و سطيف على الأخص رجلا ليس كالرجال و داعية ليس كالدعاة و مربيا ليس كالمربين و معلما ليس كالمعلمين و مجاهدا ليس كالمجاهدين و شيخا ليس كالشيوخ ذلك هو الشيخ الامام العالم الحافظ المربي المجاهد القدوة الصابر المحتسب الاستاذ الاب الصديق الاخ الصاحب محمد امقران بن مالك عن عمر يناهز الرابعة و التسعين ميلادية (1920 -- 2014 ) اي ما يقارب المئة (100) سنة هجرية قضاها كلها في سبيل الله من تبليغ للدين و خدمة للوطن و تربية للأجيال في صمت و احتساب في هدوء و سكينة في عطاء و بذل في تعليم و تكوين ، تعلم و اخذ عن كبار زمانه من امثال الشيخ البشير الإبراهيمي و الشيخ العربي التبسي و الشيخ النعيمي و الشيخ الفضيل الورتلاني و الشيخ عبداللطيف سلطاني و الشيخ حماني و الشيخ شنتير و الشيخ عبدالرحمن شيبان كما كانت له صحبة مع المجاهد الشهيد عميروش اثناء ثورة التحرير و صحبة مع المجاهد احمد لشهب إذ كانا قليلا ما يفترقان سنوات التسعينيات من القرن الماضي و كانت له لقاءات و جلسات مع الشيخ الغزالي و الشيخ محمد باي بلعالم و الشيخ البوطي و الشيخ بن باز و الشيخ محفوظ نحناح و الشيخ عبدالكريم الجزائري و الشيخ احمد سحنون و الشيخ نويوات و غيرهم كثير ممن سبقوه الى جنة الفردوس في مقعد صدق عند مليك مقتدر رحمهم الله جميعا و جزاهم عنا و عن الجزائر و الامة جمعاء خير الجزاء فاللهم إنا نشهد أنهم بلغوا اللهم فاشهد .
أما منالذين لا يزالون على قيد الحياة و الذين كانت له معهم لقاءات و جلسات و اعمال فعددهم يكاد لا يحصى و نخص بالذكر منهم الشيخ المجاهد العامل لكحل شرفاءو الشيخ الطاهر ايت علجات و الاستاذ المربي الداعية احمد ضريف و المجاهد الوزير عبد الحفيظ امقران و الشيخ الدكتور الداعية يوسف القرضاوي والدكتور المفكر الداعية احمد بن محمد كما كانت له جلسات و لقاءات مع معظم ائمة ولاية سطيف من امثال المشايخ و الدكاترة ابراهيم بودوخة و نذير حمادو و بن زاوي عبدالحفيظ و غيرهم كثير من العاملين في خدمة الامة و مشروعها المنافحين عن القيم و المباديء و الأوطان .
و لقد كان لفقيدنا رحمه الله محطات أساسية في حياته نذكر منها باختصار :
* تعلمه القرأن و مباديء اللغة العربية في صباه و بداية شبابه في قرية ايغيل نايت مالك ببني ورثلان من ولاية سطيف
* الصلاة بالناس و القاء الدروس و تعليم الأولاد قبل سنة 1948 ببني ورثلان و هو في ريعان شبابه
* التحاقه بمعهد ابن باديس بقسنطينة و نهله من المعين الصافي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين و ارتباطه بمشروعها و منهجها و مخالطته لعملائها و تلامذتها
* رجوعه الى بني ورثلان و مشاركته في ثورة التحرير بالتربية و التكوين و التوجيه و الإفتاء و مرافقته للشهيد عميروش
* التحاقه بالجزائر العاصمة و انتسابه لجامعة الجزائر
* التحاقه بسلك التعليم و الإمامة بمساجد العاصمة و وظيفته بسلك الشؤون الدينية
* التحاقه بمديرية الشؤون الدينية كمدير
* رئاسة المجلس العلمي و إشرافه على تكوين الأئمة و الفتوى و الإمامة بولاية سطيف
* مشاركاته في ملتقيات الفكر الاسلامي و مجالساته للعلماء و المفكرين الذين كانوا يزورون الجزائر و مرافقته للكثير منهم اثناء الزيارات للمساجد و الجامعات
* إلقائه المحاضرات و الدروس في المناسبات المختلفة الدينية منها و الوطنية
هذا غيض من فيض عطاءات شيخنا المغفور له الشيخ محمد امقران بن مالك رحمه الله .
اما علاقتي الشخصية به فترجع الى اكثر من ثلاثين ( 30 ) سنة خلت ، بداية الثمانينات من القرن الماضي، حين كنا طلبة بجامعة سطيف ، و كنا حينها نبحث و نسافرو نجلس أولائك الرجال الذين كان لهم السبق و الفضل في تجديد الدين الصحيح و الوطنية الصادقة و احياء الامة و تحقيق الاستقلال بثورة علمية و معرفية و جهادية استعملوا فيها أنبل الوسائل و أسمى الادوات فكانوا أساطير و أساطين بل و سلاطين البشرية في وقتهم تربعوا على عروش القلوب و تمكنوا من مفاتيح النفوس فانجذبنا اليهم علنا نأخذ بعض ما حباهم الله به ، و كان الشيخ بن مالك رحمه الله احد هؤلاء ، رغم محاولات الشيوعيين و الشعوبيين و الفرنكفونيين في ذلك الوقت في الصد عن أمثاله و تهميشهم و الكيد لهم و تشويههم كما يفعلون في كل وقت وحين بالطاهرين و الدعاة و الأصفياء ( اخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) ، رغم ذلك جالسناه و أمثاله و أخذنا عنهم و حملنا مشروعهم ، فكما أحيوا فينا القيم احيينا فيهم الأمل بعودة الدين و خدمة الوطن بعد ان كاد يدب اليأس الى الجميع اثناء حملات الاشتراكية و الشيوعية و موجات الفرانكفونية و الإلحاد و التفسخ التي مست شرائح واسعة خلال سنوات السبعينيات و الثمانينات من القرن الماضي ، ثم توطدت العلاقة أكثر بعد سنة 1985 و رجوعي من الدراسة بالخارج و كنت حينها مدير الدراسات بمعهد الكيمياء الصناعية بجامعة سطيف ، و اصبحنا تتنقل برفقته الى المساجد و قاعات المحاضرات و الملتقيات و لعل اكبر عمل قمنا به في ذلك الوقت هو المعرض الاسلامي السنوي بجامعة سطيف لسنة 1987 و الذي كان تحت عنوان :
( ثورة التحرير المباركة. 1954 -- 1962 ) و الذي كتبنا معظم ان لم اقل كل لافتاته مشافهة عن شيخنا المغفور له محمد امقران بن مالك رحمه الله و جاء المعرض في اجمل حلة غنيا بالمعلومات مليئا بالتوجيهات رافعا للهمم محييا للقلوب و في هذه المرحلة ( اواخر الثمانينات من القرن الماضي) كان للشيخ دورا رائدا و عملا كبيرا في توجيه الطلبة الجامعيين و خاصة طلبة جامعة سطيف .
ثم كانت سنوات التسعينيات و ما تحمله من آلام و أحزان فوجدت فيه الاب و الاخ و الصديق و المربي و الموجه و فهمت حينها قول الله سبحانه و تعالى عن سيدنا ابراهيم ، قياس مع الفارق،
( إن ابراهيم كان أمة ) و كان دائماً يدعو الى الاعتدال و الحكمة و درء المفاسد و حماية الدين و رعاية الوطن و تآخي الشعب و التنازل عن الحقوق و عدم تشميت الأعداء الذين يتربصون بنا ، و كنت وقتها عضو المكتب الوطني للحركة و في معظم الاحيان ارجع اليه في الرأي حول القضايا المختلفة و خاصة المتعلقة بجلسات الحوار و من الشهادات التي اذكرها عنه في هذا السياق قوله في أكثر من مرة ( إني متيقن ان جماعة النحناح لن تتدهور و لن تغامر و لقد خبرتكم و عرفت أنكم حريصون على الدين و الوطن و احذروا ان تتركوا الساحة لغيركم فوجود كم صمام أمان .....)
ثم جاءت مرحلة البرلمان ، و ان كنت ناسيا و ان تناسى غيري فلن أنس دعمه و وعونه و تأييده غير المحدود ، في السر و العلن في البوادي و الحواضر مع الخواص ومع العوام ، لقائمتنا ثم توجيهاته في القضايا المختلفة حول الاسرة و التعليم و التربية و التعليم العالي و الوضع الاجتماعي و الوضع الامني و في كل شيء له رأي و حكمة رحمه الله.
و بعد دخولي البرلمان العربي لم يبخل عني بالرأي و المشورة و خاصة عن القضية الفلسطينية و ما يحمله لها في قلبه و نفسه من مكانة و إحساس بالمسؤولية و رغم انه قد دخل التسعين حولا من العمر فانه كان متابعا للأحداث حاضر البديهة متوقد الفكر رحمه الله رحمة واسعة .
ثم جاء بعد ذلك تأسيس الجمعية الثقافية الاجتماعية لولاية سطيف ( مؤسسة الاحياء و التنمية ) و التي قدم لها كثيرا من التوجيهات كما شارك في بعض أنشطتها .
هذا و ان اهم ما اعتز به من علاقتي به ثلاثة أمور :
* اولها حين عيِّنت وزيرا بعث لي رسالة نصائح و توجيهات كانت لي بعد الله عاصما من كثير من الامور و لا أزال استرشد بمحتواها الى الان .
* ثانيا في احدى أسفارنا الى العاصمة و قد رافقتنا زوجاتنا و كنا نحن الاربعة و خلال خمس 5 او ست 6 ساعات سعدنا بنصائحه العملية الواقعية عن الاسرة و التربية و العلاقات العامة بعيدا عن التكلف
* ثالثا في احدى جلسات التواصل و اللقاء بين الأحباب و قد زارنا في بيتنا بسطيف مجموعة من اهل العلم و الدعوة رأيت كيف يشمل الجميع برعايته و عطفه كبيرهم و صغيرهم عالمهم و متعلمهم .
و أخيرا فاني أتقدم بالشكر الجزيل للدكتورين ناصر جيرار و العمري تجار حفظهما الله على الرعاية و الخدمات الجمة التي كانا يقدمانها للشيخ محمد امقران بن مالك رحمه الله طيلة المرحلة الاخيرة و على الخصوص خلال السنتين الأخيرتين فجزاهما الله خير الجزاء .

و هكذا تطوى صفحة من صفحات امتنا الخالدة سائلين الله ان تفتح صفحات أخرى لتستكمل حلقات العقد و يكتمل المشوار و تتحقق خيرية الامة و تقام الشهادة على الناس.
و اخيرا و من كتانيا اقول سنكون لك بإذن الله أبناءا ندعو لك و سنكون لك صدقة يصل أجرها إليك و سنحاول ان ننشر بعض ما تعلمنا منك .
هؤلاء رجالنا اللهم اغفر لهم و أرحمهم و ارض عنهم و تقبل منهم و ادخلهم من الجنة الفردوس الاعلى مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و ألحقنا بهم لا مبدلين و لا مغيرين لا فاتنين و لا مفتونين يا رب العالمين و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و اله و صحبه .
ملاحظة : أرسلت هذه الكلمات على عجل من كتانيا قد يكون فيها بعض الخلل فالمعذرة ، و الله من وراء القصد و هو يهدي السبيل.......... أخوكم د. عبدالقادر سماري