الاهداف من هذه الزيارة كنا قد ذكرناها في منشور قبل ستة أيام، يوم الأحد 25 سبتمبر،
الاهداف من هذه الزيارة كنا قد ذكرناها في منشور قبل ستة أيام، يوم الأحد 25 سبتمبر،
وها نحن نحقق منها الكثير ونستزيد من فضل الله،
وإذا كنت في زياراتي أحاول أن أؤدي بعض الواجبات تجاه ديني ووطني وأمتي،
كما أنني أستفيد وأتمنع...
فإنني أصدقكم القول بأنني في كل رحلاتي تأخذني حالات حيرة وألم لِما أرى من تقدم الشعوب والأمم وحضارتها وازدهارها وحرية مواطنيها ورفاهيتهم ونحن في ذيل طابور الأمم والشعوب خيراتنا مهدورة، مدننا وسخة، تسييرنا فوضى،
ولكن في المقابل تجدني مرتاحا مطمئنا مستبشرا حين استذكر القيم الأصيلة الكامنة في مجتمعاتنا، أقول الكامنة في مجتمعاتنا، حين استحضر تماسك مجتمعاتنا وتضامن أسرنا وعائلاتنا، حين يطوف بخيالي تلك الصور الرائعة لأبنائنا وبناتنا المقبلين على القرآن على العلوم والمعارف في أدب واحتشام ، حين
ولذلك تجدني، في نفس الوقت، أكلمك وبقناعة عن الأمر ونقيضه، بين اليأس والأمل، بين الخوف والرجاء، بين مستقبل غامض مخيف ومستقبل أرى فيه تحقيق كل الاحلام والأماني ...
والايام الثلاثة الماضية ، الجمعة والسبت والاحد، لم تشذ عن سابقتها من أيام حِلِّي وتِرْحالي ، فلقد كانت كلها دروس وعبر وعظات وآيات،
فيوم الجمعة كنا لا نزال في هولندا، هذا البلد الصغير مساحةً والشاسع الواسع حقولا ومصانع وإنجازات، ومساحات خضراء،
أحد مرافقينا ( الدكتور عمار بن عبدالقادر ) قال لي :
هولندا كلها، بيابستها ومياهها، بسهولها وأنهارها، بمدنها وقراها، مساحتها لا تتجاوز
42000 كيلومتر مربع،
الجزائر
تتجاوز مساحتها
2380000 كيلومتر مربع مليونين وثلاث مئة وثمانون ألف كلم2
يعني أن الجزائر تساوي أكثر من 56 مرة مساحة هولندا،
لديهم اكتفاء ذاتي في كل شيء تقريبا من حليب وزيت وقمح وبقوليات وخضر وفواكه حتى أنهم خطوا خطوات كبيرة نحو الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة سواء استخراج الغاز من بحر الشمال أو الطاقة من الرياح أو الطاقة الشمسية ( رغم أنها دولة غيوم وأمطار ) ،
سألته : ما هو السر
قال : العمل، العمل، واحترام القانون
جولتنا كانت إلى قلب وسط أمستردام حركة دؤوبة، أنشطة ثقافية وفكرية في الهواء الطلق، وسط المدينة تجمعات ترفيهية، معارض صور وكتابات ... وفي المقابل، لا أراك الله من تفسخ وانحلال وضياع أخلاقي ...
زرنا مدينتين، إحداهما زراعية بامتياز، صاحب إحدى المزارع يقوم على أبقاره وأغنامه بنفسه، الأبقار مؤدبة تحترم القانون كل واحدة واقفة في طابور تنتظر دورها لِتُخلب،
المدينة الثانية مزيج بين الصناعة والسياحة، ورشات كثيرة لصناعة الأحذية والصناعات التقليدية، وأخرى للصناعات الغذائية وخاصة للأجبان ومشتقات الحليب ... وصورة الطواحين الخوائية المنتشرة في إحدى المدن والقرى تعطي مناظر خلابة ...
أما ترتيب الأحياء ونظافتها فحدث عن الكمال البشري ولا حرج...
أما ما أبهرني وبقيت مذهولا فيه هو
كيفية تعامل الهولنديين مع
الماء
هولندا
إسمها الأراضي المنخفضة
يابستها تحت مستوى سطح البحر،
نعم توجد مدن وقرى تشبه البندقية Venise الإيطالية
ولكن معظم الأراضي ، المدن والقرى، الماء لا يغمرها، وعندهم تقنيات وابداعات في تسيير المياه تتعدى الخيال،
الانفاق تحت الماء تسير فيها الشديد سيارات والشاحنات والقطارات ...
قال مرافقنا هولاندا تمتاز بآليات تعاملها مع المياه ...
الأزمة الاقتصادية العالمية مست هولاندا، حسب سكانها هناك ارتفاع في كل الاسعار، والملفت للإنتباه أن كل أماكن توقف السيارات هي بأجر حتى تلك التابعة للأحياء السكنية، أما إذا كنت تكسب سيارة فعليها غرامة شهرية حسب قوة وقيمة السيارة .
تواصلنا مع الهولنديين يعطيك صورة مغايرة عن غيرهم من الاوروبيين، وأظن أنها طباع كل دول الشمال، تذكرت سلوكات السويديين والنرويجيين حين زرتها قبل سنوات، في عمومهم مسامحين لا تحس فيهم نظرات التكبر والتجبر، وأظن أن ما يقوم به البعض من عداء للإسلام وأذى للمقدسات إنما هو شاذ وليس العموم ...
قَرُب وقت صلاة الجمعة، عندنا موعد في ( المسجد الأزرق )، هذا المسجد التحفة، بناه مقاول هولندي ضمن البنايات السكنية لأحد الأحياء في مدينة أمستردام وتبرع به للمسلمين، يقوم عليه ( الدكتور عمار بن عبدالقادر ) مع مجموعة من الاخوة،
وفود المصلين من الكهول والشباب والاطفال، رجالا ونساء، يأتون تباعا، وحدتنا ومجموعات، إمتلأت قاعة الصلاة وفتحت القاعات المخصصة للتعليم،
بعد الآذان تقدم أحد الشباب وألقى خطبتي الجمعة
الخطبة الاولى بالعربية الفصيحة السهلة الممتعة كانت عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبه واتباعه ونصرته وحمل لوائه وانتظار شفاعته
الخطبة الثانية بالهولندية هي ترجمة ما جاء في الخطبة الاولى ... لا أفهم الهولندية ولكنني استمتعت بها ... هي آية من آيات الله ( واختلاف ألسنتكم وألوانكم ) ...
بعد الصلاة كانت لنا مداخلة في جلسة حميمية خصصناها للكلام عن عظمة الإسلام وقيمه وما يحمله من تباشير للبشرية وما يقدمه لراحة البال وطمأنينة القلب وسلامة الصدر، حضر اللقاء بعض الشباب الهولندي المسلم ...
وبالمناسبة لا يمر أسبوع إلا ويأتي شباب هولنديبن يدخلون الاسلام ...
بعد صلاة العصر كانت الانطلاقة والخروج من هولندا نحو الحدود
السويسرية - الفرنسية بين بازل وميلوز ...
وهنا يجب التوقف والتدبر والمقارنة ،
هذا هو مسار رحلتنا بالسيارة:
هولاندا - بلجيكا - لوكسمبورغ - فرنسا - سويسرا
خمس دول
تتغير اللغات
تتغير اللافتات
تتغير الطباع
تتغير أنواع الاضواء
تتغير أنواع السيارات
بعض المنتوجات مختلفة في الشكل والذوق
ملامح الناس أيضا فيها بعض الاختلاف
توقفنا في بعض المحطات للتزود بالبنزين أو قضاء بعض الحاجات والمستلزمات
ولكن
والله والله والله لم يوقفنا أحد،
لا شرطي
ولا دركي
ولا جمركي
تذكرت بعض أسفاري عبر البر بالسيارة
من الجزائر إلى تونس
من تونس إلى ليبيا
من سوريا إلى لبنان
من سوريا إلى الأردن
لا مجال للمقارنة
عالمان مختلفان
عالمان متوازيان
نموذجان متعاكسان متناقضان
كأننا أمام نوعين من الخلق ...
المهم وصلنا إلى بلفور Belfort قبيل الفجر
استرحنا قليلا وطافت بي ذكريات سنوات قضيتها في هذه المنطقة قبل 40 سنة
في بازل السويسرية و ميلوز وبلفور وسوشو ومونبليار
كنت قد كتبت تلك الذكريات في المنشور السابق ...
استرحنا إلى صباح السبت
فكانت لنا فيه أنشطة وزيارات أخرى
سنرجع إليها إن شاء الله في منشور قادم ...
د. عبدالقادر سماري




