الدكتورعبد القادر سماري

معظم الحوارات في هذا المنشور كانت بالفرنسية فعربناها،

معظم الحوارات في هذا المنشور كانت بالفرنسية فعربناها،
مازلنا خارج أرض الوطن،
في أرض الله،
نتواصل مع عباد الله،
أخبار تؤلمنا، فأعينونا بالدعاء
وأخرى تفرحنا، نسأل الله لنا ولكم السرور والحبور
والحمد لله،
إليكم أحداث ثلاثة عشتها هذه الايام، أشارككم إياها لعلها تفيد:
1- نطلب الدعاء لشابة في مقتبل العمر من محارمي مولودة في فرنسا، أعرفها منذ صغرها مقبلة على كتاب الله واللغة العربية، محافظة على صلاتها، فاعلة للخير، متصدقة على الأيتام والفقراء بالجزائر، بارة بأبيها رحمه الله وأمها حفظها الله، تحفة من الجمال الخَلقي والخُلُقي، الابتسامة العفيفة الشريفة لا تفارق محياها، الكلمة الطيبة دوما على لسانها كانت متفوقة في دراستها ، ثم هي الان نموذج في مكان عملها، تفانيا وإتقانا، أمانة وعلما ... علمتْ أنني في المنطقة التي تقيم بها، بشمال شرق فرنسا، تواصلت معي عبر الهاتف ، وكالعادة كلمات رقيقة لطيفة، بعد السلام والتحية ،
قلت لها: أنا هنا هل تحتاجين لشيء، لأنني سأغادر غدا الاربعاء إلى باريس ومنها إلى ستوكهولم
قالت : دعاؤك لي بالصحة والسلامة والأمن والايمان، ثم تنهدت زفرة لم أكن أعرفها فيها من قبل
قلت : لعلك مريضة
قالت : يفعل الله ما يشاء
فهمتُ أن بها أمرا ما، غيرنا مسار الحديث، أوقفنا المكالمة ... ثم بعد العصر، تَدْخل علي مع أمها، الأم شاردة، والبنت تدفع شيئا داخلها بابتسامة ليست كما عهدتها، قاومتُ ذاك الشرود، شرود الأم قريبتي، وتلك النظرات نظرات البنت بنيتي، تبادلنا الأشواق التي تعتبر في قلوبنا ووجداننا، أسئلة عن الأهل والاحباب والوطن ... ثم كان الخبر ... إنها مريضة مرضا يستدعي عملية جراحية ...
ملاك مريض، وهل تمرض الملائكة،
روح تتطلب عملية جراحية، وهل الأرواح تُجرى لها العمليات الجراحية
إبتسامة ستحتاج عناية خاصة بعد أيام، وهل الابتسامات تحتاج العناية
قبل أن يرتد إليّ طرفي، وأنا ألمحهما أمامي، تذكرت أحداثا مرت بنا، كانت كالاعاصير،
ولكنهما ، البنت والام، ينتظران مني كلاما، وأي كلام ... ودون تفكير
قلت لها : ثقتك في الله وطلعتك البهية وابتسامتك الحلوة ستكون لك حصنا من كل سوء، إنها محنة ستكون لكِ ولنا منها منح لا تنقطع ...
تبادلنا أطراف الحديث،
قالت لي الام : أنت مسافر وعلمت أنك ستسافر أيضا اجعل لبنيتي شيئا من دعائك
قلت : سأجعل كل دعائي لها ولكل مرضانا ، من هنا إلى باريس ، ومن باريس إلى السويد، وفي السويد، في أذكاري ومحاضراتي، في حلي وترحالي، في سهادي ويقظتي ...
ثم رن الهاتف،
أحد الشباب يطلبني، ( صاحب القصة الثانية التي ستأتي إن شاء الله )
يريد مني أن أذهب معه لصلاة المغرب في مسجد اودنكور، لم تكن لي به سابق معرفة، علم أنني هنا طلب هاتفي من ابن أختي ( مراد ) واتصل بي،
استأذنت منهما وطلبت منهما البقاء حتى أرجع، وخرجت، وجدت رجلا في السيارة ينتظر،
ربما لم يبلغ الخمسين من عمره،
بلحية خفيفة وقميص،
بعد السلام والتحية عرّف نفسه ( س، عزيز )، العائلة أعرفها من أولاد ابراهم، تحدها جنوبا قبيلتنا، أولاد تبان،
في ساحة المسجد وجدنا شابا آخر ( ع. س ) صاحب القصة الثالثة ...
2- وهنا تبدأ الحادثة الثانية مع سي عزيز،
الذي نطلب منكم له الدعاء بالثبات،
صلينا المغرب، وعند الرجوع
قال لي : هذه نعمة كبيرة أن ألتقي أنا و ( ع. س. ) في المسجد،
لم أفهم مقصوده ، ولكنني حمدت الله معه،
ثم سألته عن الأهل وهل عنده أبناء،
قال : أنا والد البنت التي توفيت في كورونا وطلبنا منك التدخل وأنت في الجزائر لنقوم بنقل جثمانها لندفنها في أرض الوطن،
تذكرت الامر، فلقد كان تدخلنا عند وسيط الجمهورية آنذاك السيد ابراهيم مراد وهو وزير الداخلية الحالي،
ثم راح يحكي لي قصة وفاتها والمعاناة التي كانت تعانيها،
مرض يصيبها وهي لم تبلغ بعد العشرين سنة من عمرها، لتنتقل بعده إلى رحمة الله.
لما أصيبت بالمرض كان عمرها ست سنوات ،
كنت استمع إليه مشفقا عليه أعطيته كل سمعي وبصري
قاطعته محاولا أن أخفف عنه ألم الفراق،
بأنها هي الآن في الفردوس تتنعم، وأن له بوفاتها وصبره بيتا في الجنة
نظر إلي وتبسم
وقال لي : كل ما أنا فيه من خير وفضل ونعمة وعبادة وطاعة هي إبنتي السبب فيها،
عند باب إقامتي أوقف السيارة
وقال: أسمع حكايتي وحكاية إبنتي
لقد كنتُ من أعتى العتات، لا أعرف إلى الله طريقا،
فلا أعرف معروفا ولا أنكر منكرا،
كل همي الشهوات والمجنون ... تزوجت وجاءتني هذه البنت تحفة لا بأس عليها،
كل شيء فيها سليم معافى،
وأنا مستمر في غواياتي ومجوني
فلما بلغت خمس سنوات،
كان ذلك سنة 2007،
وكنا في إحدى الحفلات، سقطت البنت،
في لحظة كل شيء فيها تغير،
كل جسمها برد ، أعضاؤها توقفت عن الحركة
أخذناها إلى مستشفى بلفور، أدخلوها إلى قاعة العلاج، الأطباء يتهامسون، قال لي أحد الأطباء : إنتهى الأمر لا نستطيع أن نفعل شيئا
قلت له : حاولوا فهي كل ما أملك
ثم جلست أخاطب ربي، بخطاب أستحي أن أردد كلماته الآن،قال قلت ما مفاده : يا رب كيف تأخذ إبنتي هذا ليس عمل ... كنت مهوسا، خرجت من عقلي الذي أصلا لم أكن أملكه،
طلبت من الأطباء أن ينقلوها إلى مستشفى بيزانسون
بقيت فيه شهرا كاملا وأنا كالمجنون
ثم أخبروني أنها استفاقت وأنها تتحسن
ذهبنا وقدمنا بها إلى البيت
وفي لحظة كل شيء فيَّ تغير ،
جلست بيني وبين نفسي
قلت لنفسي : ألا تستحين، كيف تخاطب ربك ذاك الخطاب، كيف تطلب منه شيئا وهو لم يطلب منك سوى أن تكون نظيفا أن تكون معه و أن يكون معك، ورحت أكلم نفسي بكلام لا أعرفه ...
دخلت الحمام ... توضيت ... ولا أعرف كيف أتوضأ ... كنت أسمعهم يتكلمون عن الوضوء قبل الصلاة فتوضيت ... وخرجت للمسجد منذ ذلك الحين وأنا كما ترى ... ولقد ماتت ابنتي بعد ذلك وهي مطمئنة على أبيها بعد أن كانت سببا في هدايته ... ثم قال لي سي عزيز : لا تنساني في دعائك وافترقنا .
3- أما الحدث الثالث فكان مع ( ع. س. ) الذي قلنا عنه فيما سبق بأننا وجدناه في ساحة المسجد ينتظر،
لما وصلنا كان اللقاء بينه وبين سي عزيز حميميا قويا يدل على أن بينهما صداقة قديمة ، لم أحاول أن أفهمها ،
السيد ( ع. س. ) أعرفه منذ أكثر من 30 سنة، وكلما زرت هذه المنطقة، منطقة Sochaux ، كنت ألتقي به، نتبادل أطراف الحديث، نسأل عن الأحوال، نتكلم عن الرياضة، فهو رياضي بامتياز ، وعن الأبناء وكيفية تربيتهم،
كلامه فيه كثير من الأدب والاحترام،
يحسن الاستماع و الانصات،
قليل الجدل والمراء،
لم أكن أعرف مستواه الثقافي ولا مدى التزامه بالدين،
هذه المرة، وأنا أستعد لتوديع مرافقي الذين كانوا معي في بداية الرحلة، جاء إلى مكان الاقامة،
قال : وهل أنت أيضا ستسافر
قلت : لا، أنا باقي بعض الأيام
قال : الحمد لله
بعد توديعهم، أخذني في جولة إلى مدينة مونبليار،
وكالعادة كلام عن الوطن وأحواله، عن المعيشة وارتفاع الاسعار في كل مكان، و عن الأحوال الجوية، فرنسا لم تشهد من قبل شهر أكتوبر كهذه السنة، حرارة مرتفعة، ولا أمطار ...
إلتفت إلي وهو يسوق وقال: أريد أن أبدأ الصلاة،
حقيقة لم أكن أعلم أنه لا يصلي،
حاولت إخفاء دهشتي، وقلت : هذا شيء جميل ، فلنبدأ من اليوم
قال : ماذا أفعل
فكرت قليلا، قلت في نفسي لا يجب أن أعقد الموضوع في قضية الغسل والوضوء وفرائضهما وسننهما ومستحباتهما،
ثم قلت : الأمر سهل، تنوي الصلاة في قلبك، تأخذ دش ونذهب معا إلى المسجد متى تريد ... قال : الآن
رجعنا حيث أقيم، ذهب لبيته مدة ساعة من الزمن ثم رجع وقد اقترب موعد صلاة العصر،
في الطريق إلى مسجد أودنكور كان يسأل أمورا كثيرة، ماذا يقول، ماذا يقرأ، كيف يفعل ... حاولت تبسيط كل شيء،
قلت له : اليوم تابعني في حركاتي فقط ،
قلت له : سندخل ونتوضأ
كنت على وضوء، ولكن كان لزاما أن أتوضأ وهو يتابعني،
ثم قلت له : أهم شيء هو لما نقف وأرفع يدي وأقول : الله أكبر، أنت قل في قلبك وسريرتك : إنني أنوي الصلاة وقل الله أكبر، ثم تابعني في الحركات ...
خرجنا من المسجد، وهو يكرر :
الحمد لله الحمد لله الحمد لله ، بألفاظها العربية فيها لكنة فرنسية ...
بقينا في موقف السيارات وهو متعطش لمعرفة كل شيء، قلت في نفسي : كم نحن مقصرين
ركزت معه على أمر واحد هو :
سورة الفاتحة، سبع آيات،
وبقينا نكررها ... افترقنا ... ثم رجع عند المغرب ... ثم العشاء ونحن نعيد نفس الشيء: الفاتحة ... قبل أن نفترق بعد العشاء، قال : غدا متى أول صلاة
قلت : السادسة والنصف
قال : سأكون عندك
وافترقنا
استيقظت الخامسة ... وعند الخامسة والنصف يرن الهاتف ... مازال أمامنا ساعة كاملة ... إذن نكمل الفاتحة ومتي يكون الغسل والوضوء ...
بومان، عشر صلوات ، معا في المسجد
قال : لم أكن أعرف أن الأمر بهذه السهولة ... كان مسرورا فرحا ... فادعو له بالثبات واستكمال المسير ...
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ...
كم نحن مقصرين... اللهم لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ...
دعواتكم للأخت بالشفاء وللأخوين بالثبات .
د. عبد القادر سماري