بالأمس الجمعة،
بالأمس الجمعة،
في باريس،
لبَّينا نداء الله، فرأينا آياته ولمسنا وعده سبحانه ،
ثم لبَّينا دعوة واحد من الأصدقاء فغمرنا بكرمه معه الذكريات والتواصل
أما نداء الله، فهو صلاة الجمعة،
كان من المقرر أن نصليها في المسجد الكبير بباريس، ولكن غَيَّرنا الوجهة إلى المسجد الكبير في بانيولي
La grande mosquée de Bagnolet
هذا الصرح الذي له تاريخ
موافقة من الجهات الرسمية ثم إلغاء ثم محاكمة ثم قضاء ... وأخيرا يأذن الله بتشييده من جيوب المسلمين،
فيقام على واجهتين وعدة طوابق،
لو رجعنا إلى سنوات الثمانينات وقال أحدهم أن هذا المكان سيكون مسجدا
يعلن منه وفيه توحيد الله
ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم
لما صدق أحد،
ولكن إرادة الله لا راد لها ووعده نافذ،
علمنا أن صلاة الجمعة فيه تقام مرتين،
فوصلنا عند الواحدة ظهرا على أمل الصلاة مع الفوج الأول،
ولكن كان المنظر مهيبا،
مئات، بل الآلاف في ساحة المسجد الخارجية وعند الأبواب والجدران بنتظرون،
أطفال، شباب ، كهول، شيوخ
إناث، ذكور
من كل جنس ولون
بيض، سود، صفر، زرق
بعضهم من أصحاب الهمم لا يتحركون إلا بالمساعدة،
شباب وشيب
ولا يزال الناس يتوافدون
راجلين،
بالسيارات،
بالدراجات العادية،
بالدراجات النارية،
ب التروتينات ...
كانت فرصة التقينا بعدد كبير من المعارف
لقد بدأت صلاة الجمعة بالداخل للفوج الأول ولا يسمح للصلاة بالخارج
فالناس ينتظرون صلاة الفوج الثاني،
أنهى الفوج الاول، خروج بنظام وانتظام،
أُفرغ المسجد من الفوج الاول،
دخلنا بكل طمأنينة وأدب،
كل واحد يجلس حيث ينتهي به المجلس،
كنت من الاوائل دخولا،
وشاء الله أن أكون في الصف الاول مباشرة مقابل المحراب،
صلينا من النوافل ما شاء الله
ثم اعتلى الخطيب المنبر
الخطبة الاولى بالعربية
والثانية بالفرنسية
عن العبادة وشمولها لكل مجالات الحياة
حتى العادات والوظائف البشرية العادية مثل الاكل والشرب والنوم والعمل والدراسة إذا صاحبتها النية والإخلاص لوجه الله فإنها ستكون
عبادة مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج تماما ...
ثم تكلم عن أهداف المسلم وغاياته من عبادة الله وذكر تسعة أهداف
لا يتسع المنشور لذكرها ...
ثم الدعاء والصلاة ...
كانت آيات الله ظاهرة في هذه الجمعة
المسلمون وبلدان المسلمين في إنحدار أما الإسلام فهو في انتشار
أحوالنا لا تعجب ولكن ديننا يجذب
يجذب إليه كل أصناف البشر إلا من أبى رغم المضايقات والتحديات وصنوف الشبهات ...
يريدون
ويريد الله
فتسري وتتحقق إرادة الله ...
انتهت الصلاة ... خرجنا فكانت لنا وقفات مع بعض المعارف ... بعضهم دعانا ولكن اعتذرنا لأن أمامنا موعدين
موعد مع طبيب الأطفال لأحد الأصدقاء فرافقته إليه،
والموعد الثاني تلبية دعوة من أحد المعارف الذين كنت قد نسيتهم فأحياهم الفايس بوك... ولها قصة ...
منذ سنوات لما أنشر في هذا الفضاء عن الامل في الجزائر
وأننا مطالبون بتغيير أنفسنا
ليغير الله أحوالنا
فكلما كتبت عن هذا الموضوع
أجد أحدهم يعلق بشيء من الشدة والصراحة
ويطالبني دوما ببعض الأمور منها الدفاع عن الشرعية ثم الدفاع عن بعض الأساتذة المظلومين ثم الدفاع عن الشعب المقهور، وضرورة خدمة الجزائر لتكون في مستوى تاريخها وبطولات رجالها ...
كنت أحس من تعليقاته الصدق والحرص
لم أكن أعرف من هو ...
ولكنني كنت أكتب له على الخاص من حين لآخر أشرح وجهة نظري فيما يجب أن يكتب في هذا الفضاء ...
المهم
لما علم من خلال منشورات الأيام السابقة
أنني في فرنسا تواصل معي، مثل باقي المعارف ودعاني لبيته في نواحي باريس،
فآثرت أن أتعرف عليه
وافقت من باب الفضول وحددنا الموعد ليكون قبيل المغرب من يوم الجمعة ...
حان الموعد ... جاءنا بسيارته ... كان موعدنا في Châtelet ... من بعيد عرفني فأقبل علي بالاحضان والناس من حولنا ينظرون،
شعرت بصدق وحرارة المشاعر والحب
تعارفنا من جديد ،
لقد كان طالبا في جامعة سطيف بداية التسعينات من القرن الماضي حين كنت مدير الدراسات العليا بها،
كان يدرس إعلام آلي informatique
وبدأ يعدد لي أصدقائه
قيدوم ياسين، عمار بن حمادي، عمار مبارك منصوري، بشير خليف وآخرون ... ثم صديق شقيقي عبدالحليم ... وأخيرا قال لي :
أنا شقيق عبدالحميد بوقرة، الذي كان أمين عام معهد الكيمياء الصناعية في الوقت الذي كنت أنا فيه مدير دائرة الكهروكيمياء
وأنه يوم تخرجه قد دعاني عن طريق الاستاذ عبد الحميد ... ثم كانت المفاجأة أنه من ( ياشير برج بوعريريج ) ويعرف أبناء الصحوة الأوائل وبدأنا بذكر بعضهم وعلى رأسهم الدكتور أحمد بن محمد ... وازدادت المفاجأة أكثر أنه متزوج ببنت آخ ( عمي رشيد كسول نسيب الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله ) وأنهم دوما كانوا يتكلمون عن ( عبدالقادر سماري ) وزياراتي لبيت الآخ رشيد ،
عرفته على الإخوة الذين كانوا معي
ركبنا السيارة كان على المقود أحد الشباب،
وانطلقنا،
كنت أظن أن البيت في باريس وأنها مسافة دقائق
ولكن الأمر غير ذلك والسير طال
والسيارة تنهب الأرض نهبا،
خرجنا من باريس
ظهرت لي لافتات Troyes
قلت : الطريق أعرفه يتجه نحو الطريق الوطني رقم 6، والمسافة طويلة فكيف ومتى نرجع
قال: نعم أنا أسكن قريب من Evry ، والله مبيتكم الليلة عندي ولا رجوع
نظر بعضنا إلى بعض،
ام نشأ أن نناقشه،
اغتنمت فرصة الطريق واتصلت بالدكتور أحمد بن محمد حفظه الله،
بعد السلام
أخبرته أنني في باريس وأن أحد الأحباب يقرؤك السلام وهو من الياشير
قال : هل هو محمد بوقرة
قلت : نعم
ناولته الهاتف فكانت بينهما المكالمة
ثم إتصلت بشقيقي عبدالحليم وتركتهما يتواصلان ويعيدان ذكرياتهما ...
بعد مسيرة ساعة وصلنا إلى البيت،
ما شاء الله
تبارك الله
عند المدخل تستقبلنا إبنته ذات 13 سنة وتفتح باب الحديقة،
نسلم عليها ونقلا رأسها، ثم ندخل البيت،
فإذا بالمائدة قد أعدت وعليها كل أصناف الطعام :
كرمٌ وإكرامٌ جزائري بامتياز
شربة، سلائط، قصعة العيش ( بركوكس ) ، قصعة الشخشوخة مطرزة، قصعة الطاجين منوعة، كسرة شعير، حمود بوعلام،
أما عن الذوق فحدث ولا وحرج
،قلت له : لو أخبرتني لعملت دعوة عامة في هذا الفضاء ...
شكرناه وشكرا أهل بيته ،
وعلى مائدة العشاء كان الدكتور ( محمد بوقرة ) يحكي لنا قصته في فرنسا،
بعد أن أنهى الدراسة بجامعة سطيف ،
يقرر إتمام دراسته في الخارج بوسائله الخاصة، ويعقد العزم على السفر
ليصل فرنسا وليس معه إلا شيء من ( الكسرة خبز جزائري ) أعدته له أمه ليكون له زادا،
عند وصوله ،في المطار يستقبله أحد الإخوة ويأويه،
ثم يسجل في السوربون ليتحصل على شهادات عالية،
ثم يدخل عالم الشغل ليرتقي في مناصب وفي مصالح وقطاعات متعددة ، والآن يشتغل في إحدى القطاعات الحساسة : مراقبة ومتابعة وتحسين أجهزة حط الطائرات على الأرض ...
بعد الأكل والدعاء
جلسنا نتحاذب أطراف الحديث التي لم تخرج عن موضوعين :
الجزائر
و
الإسلام
وما هو دورنا
مثل كل لقاءاتي مع ألناء الجزائر البررة
كان نقاشا هادئا حارا مفيدا
آهٕ لو يُمَكّن الأوفياء من خدمة أوطانهم ...
حاولنا معه أن يسمح لنا بالرجوع إلى باريس ... فأقسم بالإيمان المغلظة بأن نكرمه بالمبيت عنده ... فاستحبنا ...
الطير الحر ما يتحكمش وإذا تحكم ما يتخبطش ...
آوينا إلى الفراش عند الساعة الواحدة والنصف، ثلاث ساعات كانت كافية لنسترحع بعض قوتنا ... والآن نكتب هذه الخربشات في انتظار صلاة الفجر ... ثم لا ندري ما الله قاضٕ بعدها ... ولا ندري ماذا كيف يكون البرنامج وأمامنا مواعيد ...
د. عبدالقادر سماري



