الدكتورعبد القادر سماري

بعيدا عن السياسة وعن الدعوة وعن التنظيمات

بعيدا عن السياسة وعن الدعوة وعن التنظيمات
ليلة لن أنساها ما حَيَيْتُ !!!
وهي لي زاد في طريق الحياة !!!
لا بد لها من مقدمة ...
أواسط الثمانينات من القرن الماضي...
كنا نسكن في رأس الوادي، حي طوملة، بيتنا مكون من أربع غرف،ومطبخ، وفضاء للاستحمام وقضاء الحاجة، وفناء ، ومرأب للسيارة والخرداوات...
الغرف موزعة كالتالي :
غرفة سيدي عمار وأمي جميلة، رحمهما الله، وهي نفسها التي تصبح في النهار قاعة إستقبال الضيوف الرجال،
غرفة شقيقي الأكبر سيدي الميلود وزوجته حفظهما الله،
غرفة شقيقاتي وأخي الأصغر وأبناء أخي وإبني، حفظهم الله، والتي تصبح في النهار غرفة إستقبال الضيوف النساء ،
غرفتي مع الزوجة،
كنا نعيش في ذلك البيت كل العائلة المكونة من 16 شخصا مع الضيوف رجالا ونساء وأطفالا الذين يتوافدون علينا يوميا: من رأس الوادي والقرى المجاورة لها، من سطيف ، من قصر الأبطال، من أولاد تبان، من عين ولمان، من البرج، ...
كُنا أسرة عادية مثل كل الأسر الجزائرية، المهام موزعة طبيعيا،
سيدي عمار، رحمه الله، يدرس القرآن في المسجد العتيق طوملة،
أمي جميلة، رحمها الله، عندها ماكنة خياطة، بمساعدة أخواتي، تخيط كل ما يلبس للذكور والإناث ، لنا وللجيران والأقارب
شقيقي سيدي الميلود معلم ونائب مدير مدرسة عبدالرزاق العيدي طوملة ،
أنا أستاذ ومدير الدراسات العليا في جامعة سطيف،
الأبناء فوق السادسة في المدرسة أو المتوسطة أو الثانوية، والذين تحت السادسة في البيت يتعلمون الكتابة والقراءة ...
حياتنا كانت تسير هادئة مطمئنة، رغم أنه لا يمر يوم يشبه الذي قبله أو بعده لطبيعة العلاقات المتنوعة مع الأعمام والأخوال والأنساب والأصهار والأصدقاء ، كانت بيت نحل، الباب لا يغلق، ليلا ولا نهارا ...
كانوا يسموننا ( دار بيت الطالب سي عمار ) ...
إلى أن مرض ( أبي سيدي عمار رحمه الله ) وبدأت رحلات العلاج :
سطيف،
البليدة،
الجزائر العاصمة،
ناهيك عن الطبيب الوحيد الذي كان موجودا في رأس الوادي، إسمه ( الدكتور بايو ) ...
أما الليلة التي بدأت بها هذا المنشور ولن أنساها فكانت ،
في مثل هذه الأيام، من شهر أفريل 1986، لا أذكر اليوم بالضبط،
كنا قد رجعنا من قسنطينة، أنا وسيدي عمار، بعد أن قضى في مستشفاها عدة أيام ... أخبرني الطبيب الخاص به ( الدكتور عزلي نصر الدين ) بطبيعة مرضه الذي إنتشر في كامل جسده ...
ثم : يجب أن يرجع إلى بيته وأهله ...
وصلنا البيت، عند منتصف النهار، لم أخبر أي أحد بما أخبرني به الطبيب حتى لا أفسد عليهم فرحة إستقبال سيدي عمار،
قضينا ما تبقى من النهار
بين الأحضان
والابتسامات تارة أخرى
والأكل
والشرب
والصلوات ونقاشات واستقبالات...
كنت أخفي دمعاتي على الجميع وأقاوم إنهمارها، لو سالت لكانت أنهارا،
إلى أن جاء المساء، وصلينا العشاء، وآوى كل واحد إلى غرفته،
في غرفتي، كنت أتململ، لا يهدأ لي بال،
مَرَّ من الليل جزء كبير منه ...
خرجت، بهدوء، من غرفتي إلى الفناء،
جلست على حافة الباب مستقبلا القبلة، رفعت يداي متضرعا لِربي بصلوات وأدعية ...
مع هدوء الليل سمعت صوتا خافتا يصدر من غرفة سيدي عمار وأمي جميلة، رحمهما الله ...
إقتربت ودقدقت الباب بهدوء، جاءني صوت ثنائي النغم، لا يزال صداه في أذناي، بل في عقلي وقلبي وكل وجداني ...
قالا معا : أنعم وشكون !
قلت : جمال !
قالا : أدخل !
تبادلنا بعض الكلمات ... ثم دخلت بينهما في الفراش ... ونمت ... نعم نمت،
ربما كانت تلك أحلى نومة نمتها في حياتي، أحلى رقدة رقدتها ..
وأنا في السابعة والعشرين من عمري أصبحت طفلا صغيرا، لا بل بيبي bébé ...
ثم فجأة فتحت عيناي، وقعت عيناي على عيني سيدي عمار رحمه الله، كان شبه جالس، وقد تدحرجت على وجنتيه دمعات كأنها حبات ماس أو لؤلؤ ...
قلت في همس دون أن أرفع صوتي: واش بيك يا سيدي
قال : لا شيء، أرقد أرقد
قلت : رجاء قل لي واش بيك ربي يعيشك!
قال : فقط توحشت سيدي الضيف وتفكرت القرآن، (ونظر إلى لوحتي التي كانت في غرفته وقد كتبت فيها سورة ( مريم كهيعص ) ) ...
فتحت أمي عينيها ، نظرت فينا وابتسمت، كم هي جميلة ابتسامة جميلة،
سيدي الضيف هو جدي والد سيدي عمار رحمهما الله ... لا أخفي عليكم بأنني احترت ، فلقد كان قد مر على وفاته 14 سنة، توفي رحمه الله في جوان 1972، جاءتني كأنها مدة طويلة جدا، فكيف يتفكره ويبكي ، ثم لماذا يبكي وهو حافظ لكتاب الله، معلم القرآن، ليس في حياته شيء إلا القرآن ...
وضعت رأسي في حجره وأنا أفكر وأقول
سيدي عمار توحش سيدي الحاج الضيف ويخمم في القرآن ... ثم ...
ثم مرت الأيام، والأسابيع، وبعد ثلاثة أشهر، في يوم 16 جويلية 1986 عند صلاة المغرب، فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها ليلتحق ب : سيدي الحاج الضيف عليهما رحمات الله ...
وبعد 38 سنة لاتزال تلك الليلة كأنها البارحة ... وهي لي زاد ومؤنس ومواساة ... إذن سيدي عمار عنده ألف حق كي توحش سيدو بعد 14 سنة ... اللهم ارحم أمي وأبي وأجدادي وجداتي وأعمامي وعماتي وأخوالي وخالاتي ومشايخي وأهلي وأحبابي وكل من له حق علي ... ولكم جميعا مثل ذلك ولآبائكم وأمهاتكم وما أهليكم ... و ألحقنا اللهم بهم على خير ...
د. عبدالقادر سماري