(( لا تقل شئنا فإن الله شاء ))
(( لا تقل شئنا فإن الله شاء ))
هكذا كتبها الشاعر ( ابراهيم ناجي ) في قصيدته ( الأطلال )،
هذا ما قلت لصاحبيَّ ونحن ندخل الفندق مساء أمس، بعد أن قال لي أحدهما : لو أننا برمجنا وخططنا واعددنا جميع الأسباب لهذا اليوم ما كان ليمر بهذا الترتيب وهذا الخير ...
فبعد إنتهاء ملتقى ( الأعمال والاستثمار التركي الجزائري )، وما أسفر عنه من نتائج إيجابية الدولتين ( الجزائر و تركيا)،
كانت لنا جلسات على هامش الملتقى مع الكثير من الأحباب والأصدقاء، كلها تصب في موضوع الملتقى وأهدافه،
كما كانت لنا آراء وأفكار ومقترحات تقدمنا بها لبعض من طلبوا منا استشارات لمشاريعهم ومؤسساتهم ... مواعيد أخرى برمجناها ولكنها تأجلت، فقلنا : لعله خير ...
ثم جاءت الأمور التي لم نبرمجها، ولم نخطط لها، بل هي ( محض المقادير )
1 - صديق عزيز، لم نلتق منذ سنوات، علم بوجودنا في اسطنبول، بعث رسالة مكتوبة، يسأل إمكانية اللقاء الساعة 11:00، إجابتنا كانت تلقائية، نعم،
فكان لقاء حميميا،
تبادلنا فيه الاشواق واسترجعنا محطات الماضي: في الجزائر، في مصر، في بيروت، في دمشق، في طرابلس، وفي اسطنبول، تلك اللقاءات والمبادرات والأعمال والمؤسسات التي شاركنا في انشائنا: المؤتمر القومي الإسلامي ، مؤسسة القدس الدولية ... وغيرها التي كنا نأمل أن تكون رافدا من روافد العمل التي تحقق للأمة ريادتها وتجعلها رقما من أرقام المعادلة الدولية ... ولكن قدر الله وما شاء فعل، حدثت الكوارث، بكيد أعداء الأمة من جهة وبغفلتنا من جهة أخرى ...
ثم توقفنا عند الأوضاع المزرية التي تعيشها البشرية في مختلف مناحي الحياة، والمحن التي تحدث المجموعة العربية والإسلامية التي من الفروض أن تكون هي ملاذ البشر لإعادته إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها ...
تذكرنا محنة الإخوان في مصر،
ومحنة سوريا،
ومحنة اليمن
ومحنة العراق
ومحنة لبنان
ومحنة تونس
ومحنة المحن ... في فلسطين عموما وغزة على الخصوص ...
بحثنا الأسباب: الوهن الذي أصابنا، عدم التوفيق الذي يلاحقنا، الانتكاسات التي تتقاذفنا، الحكام الذين أصبحوا أدواة هدم وبغي ، النخب والكفاءات التي انسحبت واستقالت من مسار الحياة ... في كثير من الأحيان تغلبنا العبرات : كم هو صعب أن يبكي الرجال أو أن تمتليء المقل وتأبى الأنفة أن تتركها تسبا...
ثم حاولنا أن نجيب عن السؤال المركزي والمحوري : ما العمل ؟!
الرجل، رغم المحن والإحن، والعوائق والعلائق، والفتن مازال كما عهدته قبل عشرات السنين، قوي الايمان، حاضر البديهة، سريع الانتباه،
تبادلنا بعض الاقتراحات والبدائل لينقلها كلٌّ منا إلى دوائره وفضاءاته لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ...
وختمنا لقاءنا الذي دام أكثر من ساعتين بدعوات ... وقلنا : لو عملنا ما نستطيع لكفانا الله ما لا نستطيع ... صاحبنا هو فضيلة الأستاذ الحبيب : صلاح عبد المقصود حفظه الله ورعاه ... وافترقنا على أمل اللقاء قريبا.
مباشرة، في بهو الفندق، وجدت الاستاذ (جميل ) ينتظر،
قال : أنا في الخدمة إلى أين نذهب ...
كنت مشغول البال بما سمعت قبل لحظات، قلت : ليس لي برنامج محدد
أقبل الاستاذان : الحاج بن روان و عبدالوهاب القادري،
الأول بوسعادي، والثاني من البويرة
كانا يريدان الذهاب إلى : (مؤسسة الانساب ) التي عندها الارشيف الخاص بشجرات الأسر والعائلات، يريدان التحقق من بعض المعلومات الخاصة بنسبيهما الشريف ...
إتصلت بأخي الفاضل : عبدالله السباعي الحمصي
دلنا على شخص، قال : له معرفة بالانساب هو ليس بعيد من إقامتكم ويمكن أن يفيدكم، أعطانا رقمه ... أنهى المكالمة ، ثم قال عاود الاتصال ليقول : هو في انتظاركم على الساعة الثالثة والنصف،
ثم أردف قائلا : مباشرة من عنده سنكون في انتظاركم في ( البيت الحمصي) عند المغرب ، وأرسل لنا الموقع ...
اتصلنا بالسيد، أرسل لنا الموقع
توكلنا على الله، في تمام الوقت المحدد كنا في الموعد،
إستقبلنا مع مجموعة من طاقمه، بهي الطلعة، طلق الوجه، بشوش الملامح،
رحب بنا أيما ترحيب،
تعارفنا، إنه السيد الشيخ :
محمد منير الشويكي الحسيني
نقيب الأشراف الهاشميون في الجمهورية التركية ،
أثناء تناول بعض الاكراميات ، كان الشيخ يحكي لنا عن الجزائر عن معرفته بها، وكرم أهلها وشجاعتهم والبطولات التي عرفوا بها والتضحيات الكبرى التي قدموها، وعن زياراته إلى الجزائر والمشايخ الذين قابلهم ، والمسؤولين الذين تعرف عليهم، وعن الأمل الذي ينتظره المسلمون من الجزائر ... ثم دخلنا في الموضوع،
طلب من أحد أتباعه أن يأتي بالصناديق ،
ذهلنا عند فتحها :
أول شيء : ( فرمانة)
بالعربية تعني : مرسوم
من السلطان عبدالمجميد
إلى جد والد الشيخ محمد منير ، والرسوم يتضمن بعض التفاصيل عن النسب الشريف وقرار إعتماد العائلة الشريفة بأصولها وفروعهم ،
أما الأمر الثاني فهو مجموعة نادرة من التحف والآثار الشريفة التي ترجع إلى مئات السنين من التاريخ ، ولكل قطعة قصة، وحكاية ... تفاصيل تجعل من هذا المنشور كتاب ...
ثم دخلنا في موضوع دقيق يستحيل التطرق إليه في هذه الأسطر والكلمات ... يستحيل اختصاره ... اقترب موعد البيت الحمصي، ودعنا الشيخ وانطلقنا ...
وصلنا البيت الحمصي بعد المغرب ...
استقبلنا الاستاذ الصديق الدكتور عبدالله السباعي الحمصي في أسفل المبنى، عاودنا السلام والتحايا ، لأننا كنا قد إلتقيناه يوم أمس الأول خلال ( ملتقى الأعمال والاستثمار )
قال : بشريات سارة تنتظركم ...
عند باب المبنى بالبند العريض :
البيت الحمصي
ثم شعار مدينة حمص :
مسجد خالد بن الوليد
ففيها دفن سيف الله المسلول رضي الله عنه، وبها المسجد الذي سمي باسمه .
دخلنا القاعة الكبرى :
خلق كثير من مختلف الأعمار ، يتوسطهم ثلاثة مشايخ، البهاء والوقار والسناء والجمال والهيبة والضياء ... المجلس كله انوار ،
سلمنا، ثم فسح لنا المجلس بجانب المشايخ ...
افتتح الجلسة الاستاذ الدكتور عبدالله السباعي الحمصي، بالحمد والشكر والصلاة والسلام على خير الانام،
وبكلمات طيبة رحب فيها بنا باسم الجميع، ثم تطرق إلى علاقتي به التي ترجع لأكثر من عشر سنوات في مواعيد مختلفة، خدمة للدين والأوطان والامة،
وبعدها عرف بالمشايخ الثلاثة :
الشيخ الإمام المفسر علي الشربجي
الشيخ الإمام عبدالنافع الرفاعي
الشيخ الدكتور أسامة مشعل
ثم أخال لي الكلمة للتعريف بمراقي الثلاثة
ثم التعارف العام للحضور ...
وبعدها كانت كلمة من الشيخ علي الشربجي عن الأخوة الإسلامية والقيم الغالية التي جاء بها سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام،
وكلمة أخرى من الشيخ مشعل،
ثم كانت كلمتي بالشكر عن علاقة المغرب الإسلامي بالمشرق الاسلامي، وعن أحوال البشرية في تيهانها ، وعن محطات تاريخية تستدعي الانتباه لها وأخذ العبرة منها والدروس، وعن وضع فلسطين وغزة وتخاذل الأمة، وعن الادوار التي من الواجب علينا القيام بها والأمل الذي نقدمه للبشرية كلها ...
ثم تناول الكلمة الاستاذ عبدالله ليقدم ملامح بعض المشاريع التي من شأنها أن تساعد الأمة في الخروج من غفلتها ... ثم دعوات من المشايخ الأفاضل ...
وقبل الافتراق كانت المفاجأة ...
الشيخ علي الشربجي الذي تجاوز عمره الخمس وتسعين سنة
كان قد أنهى تفسيره لكتاب الله الذي عكف عليه مدة ثلاثين سنة، وقد وصلته قبل قليل أول نسخة مطبوعة :
وهو يتقدم بها هدية لنا، عربون حب وود وإخاء،
والاستاذ الدكتور محمد علام
يصدر له كتاب موسوم ب :
مقومات مؤسسة الزكاة في الدولة المعاصرة
يقدمه هدية لنا ...
إكرامات وكرامات ما كنا ننتظرها ...
إفترقنا والسعادة تغمرنا ومآقينا تُملأ وتفرغ ...
رجعنا إلى الفندق في وقت متأخر قال لي أحد أصحابي : لو برمجنا هذا اليوم ما كان ليكون أفضل من هكذا ... قلت : لا تقل شئنا فإن الله شاء ... هذا ملخص يوم يبقى راسخا في الأذهان ... والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري










