الدكتورعبد القادر سماري

أحد الأحباب، إعتزل الناس وابتعد عنهم لأسباب مختلفة، منها أنه لا يريد أن يشكو لهم حاله و أوضاعه، ويحب أن يجعل أمره بينه وبين ربه، فكتب لي كلاما في هذا الباب، فهمت منه أنه يبرر حاله، وهذه رسالته :

أحد الأحباب، إعتزل الناس وابتعد عنهم لأسباب مختلفة، منها أنه لا يريد أن يشكو لهم حاله و أوضاعه، ويحب أن يجعل أمره بينه وبين ربه، فكتب لي كلاما في هذا الباب، فهمت منه أنه يبرر حاله، وهذه رسالته :
(( *‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌قال المناوي - رحمه الله :
*‏«‌‌المؤمن من صفاء توحيده : يكتم مصائبه وأمراضه وما أهمه عن الخلق صبراً ورضاً عن ربه وحياءً منه أن يشكو أو يستعين بأحدٍ من الناس»*
#- فيض القدير .

*اللهم اشفنا واشف مرضانا ومرضى المسلمين)) ... إنتهت رسالة الحبيب ... جلست اتدبر الراسلة، ثم سرح خيالي في أوضاع الأمة وأحوال الناس ...

فكان جوابي له هذه الرسالة، وهو جواب لكل منعزل ومعتزل، وقد كثر انعزال الناس واعتزالهم في هذا الوقت، مما أدى إلى التدابر والتباعد، أقول فيها بشيء من التصرف والتغيير :
(( كلام الأئمة والعلماء مُحترم ويُرجع إليه، ولكن يبقى كلام الله تعالى فوق كل قول ومنها قوله تعالى :
(( وتعاونوا على البر والتقوى ))
فهل يكون التعاون بالتباعد والانعزال.
(( واجعل لي وزيرا من أهلي ))
وهل يكون الوزير بالاعتزال.
(( والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض ))
والولاية: لها متطلبات وحقوق وواجبات، وأكبر الحقوق وأهم الواجبات الملاقاة والتواصل والتعارف وربط المصير بالمصير ...
وأحاديث المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه كثيرة عن التعاون والتماسك وربما أقواها قوله عليه الصلاة والسلام :
(( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ))
وهل يكون البنيان بنيانا إذا تباعدت أجزاؤه
وقوله
(( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ))
ولا تحصل معية وعون الله لعباده إلا بالتعاون بينهم ومعية بعضهم لبعض ...
ولا تكون هذه المعية البينية بين المؤمنين إلا بالإحساس والاهتمام ...
ويجتمع كل ذلك في سورة العصر التي قيل عنها : " لو لم ينزل من القرآن إلا سورة العصر لكفتنا" :
(( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا
و
عملوا الصالحات
و
تواصوا بالحق
و
تواصوا بالصبر ))
ولا يكون التواصي بالحق والتواصي بالصبر إلا بثلاثة أمور :
* التلاقي والملاقاة
* معرفة الأحوال
* الكلام الصادق والبحث عن الحلول...
والأئمة والعلماء مع مكانتهم ورفعتهم ومنزلتهم، فإن كلامهم متأثر بالاحوال التي عايشوها، والظروف التي مروا بها...
وعلى سبيل المثال ،
الامام المناوي رحمه الله عاش في ظروف حرجة كانت تمر بها مصر ،
فهو قد عاش بين سنة 1545 وسنة 1622، وكانت مصر في ذلك الوقت في فوضى عارمة من جميع النواحي ، والمجتمع المصري بدأ في الانتقال من مرحلة إلى مرحلة وبدأت العقيدة تهتز والتوحيد يضعف ولذلك كان حريصا على تقوية النفوس ... مع العلم بأن له أقوالا أخرى تحث على التقارب والتعاون وإليك بعضها :
الإمام المناوي في شروحه للحديث وكتبه ركّز كثيرًا على مفاهيم التعاون، التآلف، والتراحم بين الناس، وبيّن كيف أن هذه القيم ضرورية لتماسك المجتمع.
وهذه بعض أقواله وأفكاره حول هذا الموضوع:

1. في شرح حديث "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"

في كتابه "فيض القدير شرح الجامع الصغير", يقول المناوي:

"هذا تشبيه بليغ في ضرورة تعاون المؤمنين وتكاملهم، فكما أن البناء لا يستقيم إلا بتماسك أجزائه، فكذلك المجتمع لا ينهض إلا بتراحم أفراده وتعاونهم في الخير."

2. في فضل قضاء الحوائج والتعاون:
يقول في فيض القدير أثناء شرحه لحديث "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه":
"دلّ هذا الحديث على أن من جعل همّه إعانة الناس وتفريج كربهم، فإن الله يجعل عونه معه، فلا يُخذل ولا يُترك، وهذا من أعظم فضائل التعاون."
3. في الحث على التضامن الاجتماعي:
في شرحه لحديث "من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة", يقول المناوي:
"هذا وعد كريم من الله بأن الجزاء من جنس العمل، فمن خفّف عن أخيه المؤمن مشقة أو معاناة، جعل الله له نصيبًا من التخفيف في يوم هو أحوج ما يكون فيه إلى الرحمة."

4. في التحذير من الأنانية والانفرادية:
ينقل المناوي في كتابه "التيسير بشرح الجامع الصغير" قولًا مأثورًا:
"من أراد أن يعيش لنفسه وحدها فهو أضعف من أن يعيش، فإن القوة في الاجتماع، والضعف في التفرق، والهلاك في التقاطع."
5. في أهمية التراحم بين أفراد المجتمع :
يقول في فيض القدير:
"رحمة الناس بعضهم لبعض دليل على رحمة الله لهم، فمن أراد الرحمة فليكن رحيمًا، ومن أراد الخير فليكن معينًا لإخوانه، ففي التعاون حياة، وفي العداوة هلاك."

خلاصة فكر المناوي عن التعاون والتماسك الاجتماعي:
المجتمع مثل البناء، لا يستقيم إلا إذا دعمت أجزاؤه بعضها.
من يعين الآخرين يُعان من الله، ومن يخذلهم يُخذل.
التعاون والتراحم من أسباب رحمة الله بالعباد.
الانعزال والأنانية سبب للضعف، بينما الاتحاد سبب للقوة.
كان الإمام المناوي يرى أن تماسك المجتمع الإسلامي يقوم على التعاون والإحسان والتراحم، وأن كل فرد مسؤول عن غيره، كما أن البناء لا يكتمل إلا بتماسك لبناته.
... ويبقى الأمر بيد الله
مع خالص تحياتي ودعواتي وحبي ووفائي ...
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل... ))
د. عبدالقادر سماري