الدكتورعبد القادر سماري

الله أكبر

الله أكبر
الله أكبر
الله أكبر
إنا لله وإنا إليه راجعون
للّه ما أعطى وللّه ما أخذ،
الخبر الثالث عن مصيبة الموت الذي يصلني وأنا خارج الوطن، عن أخ عزيز لي معه ذكريات شخصية، وذكريات دعوية، وذكريات عائلية،
عن مثله فليحزن المسلمون، ويسترجعوا اللَّه، عسى اللّهُ أن يخلفنا أمثاله في أمتنا ودعوتنا ووطننا،
لست أدري من أين أبدأ الكلام عنه،
هل أبدأ من عائلته الكبيرة : الأب والأم والإخوة والاخوات، إذ كلهم كانوا ولا يزالون نماذج القدوة الحسنة،خداما لله والدين والوطن،
أم من عائلته الصغيرة الزوجة والابناء والبنات، الذين تربوا في أحضان دعوتنا،
أم أتوسع أكثر للكلام عن عائلته الاكبر والاوسع، عائلة الوطن والدعوة والإسلام، التي كان لها وفيها جنديا بأتم معنى الجندية، آخذا بتعاليمها، ملتزما بقيمها، حافظا لأسرارها، خادما لرجالها، متعففا عن الخوض في ما أشتبه على الناس من أمورها،
عرفته قبل ما يقارب الأربعة عقود، كنا نلتقي في جلسات تكاد تكون سرية، بعيدا عن أعين الناس، لطبيعة عمل أبيه، نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر،
اجتماعاتنا، لقاءاتنا، أسفارنا، سهراتنا كانت كلها لله وفي الله،
خدمة للدين والوطن ...
كنا وقتها شبابا، الفتن والمفاتن تحيط بنا من كل جانب، وليس لنا بعد الله إلا إخوان الصفاء والوفاء ...
ثم تشاء له الأقدار أن يسافر إلى السعودية، تلتحق زوجته بجامعاتها كأستاذة للغة الانجليزية، أما هو فكان مشرفا على عمليات التغطية بالزجاج للأراضي الفلاحية هناك ، ولقد حاز خلال تلك المرحلة تجارب ريادية، كما كان قدوة في عمله، تسييرا وإتقانا وأمانة ...
وعلى أرض الحجاز، في رحاب البيت العتيق، أو عند الروضة الشريفة، وقريبا من قبر المصطفى، خلال كل العمرات والحج كنا نلتقي ليس كأفراد بل بالعائلات والأسر، حتى أصبحت بيننا علاقات عائلية متينة، في الافراح والاتراح، لم تنقطع إلى يومنا هذا،
ولقد كان مضيافا، كريما، معطاءا، فلطالما استضاف الحجاج والمعتمرين القادمين من الجزائر أو المقيمين في المملكة وخاصة الطلبة، ولقد كان له الفضل أن عرَّفنا بالعديد من الطلبة والأساتذة والعمال الجزائريين المقيمين في مكة المكرمة أو المدينة المنورة أو جدة أو الرياض أو جُبَيْل في المنطقة الشرقية، فأصبحوا جميعا من المنخرطين في العمل الدعوي والتربوي ،
لقد كان رحمه الله حريصا على اللقاءات خدوما، وكان دوما يستأجر بيوتا في منطقة ( محبس الجن ) ...
وإن كنت ناسيا فلن أنسى إحدى خرجاته ومكرُماته وصنائع المعروف لديه :
في أحد مواسم الحج كان الاستاذ ( عبدالمجيد قيدوم ) حفظه الله، مع بعض أهله من بين الحجاج، ولقد ضاع منه كل المال الذي بحوزته، حاولنا أن نقوم بالواجب، فوصل الخبر لفقيدنا وهو في مدينة ( الرياض ) التي تبعد 1000 كيلومتر عن مكة المكرمة، فما هي إلا سويعات حتى كان عندنا، قادما بسيارته حاملا معه من المال ما يكفي ويزيد، بالإضافة إلى الهدايا للكثير من الحضور.
ثم بعد سنوات قضاها بالمملكة، رجع إلى الجزائر، فاستقر وأقام في مدينة سطيف، في حي القصرية، لنصبح جيرانا، ويلتزم بمسجد ( صلاح الدين الأيوبي )، و كان رحمه الله قيمة مضافة للعمل الدعوي والعلاقات، خادما لدينه ودعوته ووطنه، بعيدا عن الأطر التنظيمية والادارية،
ولفقيدنا رحمه الله قصة طريفة حدثت له أواسط الثمانينات من القرن الماضي، مع الشيخ ( أبوجرة سلطاني ) حفظه الله، لما كان صاحبنا في الخدمة الوطنية، لن أحكيها، فلعل الشيخ أبوجرة يطلع على هذا المنشور ويحكي تفاصيلها، لأن فيها عبرا ودروس،
أما آخر عهد لي به فقد كان بعد عيد الفطر الماضي، أي قبل أسبوعين، أثناء حفل زفاف إبنته حفظها الله،
وقبل ذلك، أي قبل رمضان الماضي ، قبل شهرين، كان لنا نشاطا كبيرا ، لمتابعة ودعم وإسناد المكتب الولائي لولاية (بجاية ) لجمعية الإرشاد والإصلاح من أجل إتمام بناء ( معهد القراءات القرآنية ) الذي سيكون بإذن الله مفخرة الجزائر ومَعْلَما قرآنيا فريدا إذا يسر الله وسارت الأمور وفق ما هي مبرمجة ...
لقد كانت له رحمه الله خبيئات لا يعرفها الكثير من الناس ...
صاحبنا رحمه الله هو :
عبدالباقي بن عبدالرحمن بلفار، الرجل الخلوق، المؤدب، الحيي، الكريم، الوفي لدينه ووطنه ودعوته وأهله وأحبابه ... فارقنا إلى دار البقاء وعمره في عمر سيدنا المصطفى ﷺ ( 63 سنة ) ...
فقدناه ونحن في أمس الحاجة إليه، إلى بسمته، إلى حكمته، إلى بشاشته، إلى رأيه، إلى أخلاقه، إلى مواساته لنا في الشدائد، إلى دعمه لنا في أبواب البر،
بلغني خبر وفاته، اليوم الأحد صباحا، وأنا في سويسرا، بمدينة ( بازل )، التي سأخصص لها منشورا ، كله بشائر وتفاؤل، إن كان في العمر، مثل التفاؤل والبشائر التي كان يحملها أخونا عبدالباقي في قلبه وعقله وجوانحه وجوارحه ...
قد يكون للكثير من أهله وأصحابه علاقات ووشائج، ولكنني أظن وأعتقد أن علاقتي به كانت مميزة، مليئة بالأسرار واللطائف ... إنها عِشْرَة عُمْر لم تنقطع ... عسى الله أن ينفعنا بها عنده .
ولذلك عزمت، إن شاء الله، أنني سأحاول قدر الإمكان الرجوع إلى أرض الوطن من أجل حضور جنازته التي ستكون ، بإذن الله، حسب ما بلغني آخ الفقيد، الاستاذ ابراهيم بلفار، ستكون غدا :
الاثنين عند صلاة الظهر في
بلدية تكستار ولاية برج بوعريريج ...
ومنها سأنتقل بإذن الله إلى مدينة المسيلة لأداء واجب العزاء لآل مقري ( الدكتور عبدالرزاق والأساتذة حمزة و كمال والطاهر ) في وفاة والدتهم رحمها الله ، التي لم أتمكن من حضور جنازتها ...
اللهم اغفر لهم وارحمهم وارض عنهم وتقبل منهم وأدخلهم الجنة ونجهم من النار واحشرهم في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا بهم على خير ...
وإنا لله وإنا إليه راجعون ... والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
د. عبدالقادر سماري