همٌّ يلازمني فتذكرت به جلسة مع الشيخ سي أحمد بلحاج الصالح رحمه الله
همٌّ يلازمني فتذكرت به جلسة مع الشيخ سي أحمد بلحاج الصالح رحمه الله
قبل ثلاثين سنة، كنت قد رجعت من دراستي بالخارج، زرت الشيخ سي أحمد بلحاج الصالح رحمه الله في بيته، وكان قد صاحب جدي ثم أبي رحمهما الله ثم كانت لي معه صحبة، وهو أحد أعلام جنوب ولاية سطيف نال العالمية (ليسانس)من الزيتونة سنة1937 ، قال لي ناولني ذاك الكتاب المغلف بالأصفر، أعطيته إياه ،أخذه وقال :بعد كتاب الله وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم هذا أفضل الكلام إنها الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري، كان ذلك أول مرة أسمع هذا الكلام عن الحكم رغم أني حملت معي من سفري كتاب (إيقاظ الهمم في شرح الحكم) الذي رجعت إليه مباشرة بعد ذاك اللقاء وأصبحت الحكم فيما بعد من أهم مصادرإلهامي، قرأ علي بيت شعر مكتوبا بقلم الرصاص على غلاف الكتاب:
مَن راقب الناس مات غما ... و فاز باللذة الجسور
وبدأ يغرف من بحر علمه، كانت عادته رحمه الله إذا فسر آية أو شرح حديثا أو مقولة يبدأ بتقسيم أجزائها كلمة كلمة ثم يقوم بعملية التجميع،أذكر أنه بقي مع حديث معاذ بن جبل (دُلّني على عمل...) بقي معه ما يقارب السنة حتى حفظه كل مستمعيه ، نرجع الى بيت الشعر كلمني حينها عن (مَن ) اسم الموصول والفرق بينه وبين( ما ) فالأول للعاقل و الثاني لغير العاقل و أن الابتداء بها في مستهل الكلام هي عملية تنبيهية للعاقلين من البشر فما كُرِّم الانسان الا بعقله فمن ضاع عقله أو ضيَّعه فَقَدَ أهلية التكريم و لذلك كان العقل من الكليات الخمس التي وجب حفظها ، ثم ساح بي في معاني المراقبة وأقسامها ومراتبها والمحمود منها و المذموم ، مراقبة الله و التي مفادها أن يجدك حيث أمرك ويفتقدك حيث نهاك ويكون رضاه مناك ،ومراقبة النفس حيث تتفقد أحوال قلبك و أحوال فكرك و أحوال ضميرك و أحوال سلوكك لتصحح الأخطاء وتُقوِّم الاعوجاج وتزيل العوائق والعلائق والعوائد، وهاتان المراقبتان ممدوحتان بل مطلوبتان، ومراقبة الناس و هي مذمومة بنوعيها مراقبتهم بالبحث عن أخطائهم ومدى نجاحهم وفشلهم أو مراقبتهم بطلب رضاهم و تمثُّلِ مناهم و هذه الأخيرة هي التي يقصدها الشاعر وهي التي قيل فيها: إرضاء الناس غاية لا تدرك، ثم كلمني عن الموت ، الموت البيولوجي حيث تنفصل الروح عن الجسد و هذا كائن لا محالة لكل مخلوق و ليس فيه أي عيب إذ أنه لا دخل للإنسان في وقته ولا مكانه بل مقدر له لحظة نفخ الروح فيه، و الموت الثاني الموت الوظيفي وهو موت القلب وموت العقل وموت الفكر وموت الضمير فلا تؤدي هذه العناصر وظيفتها و لا تقوم بدورها لانشغالها بغير ما طُلب منها فذلك موت قبل الموت ، سمعت كلاما شبيها بهذا من الشيخ شيبان رحمه الله في سياق آخر قد تكون لنا معه وقفة ان شاء الله، قال وهذا الموت هو المقصود في البيت ، ثم أخذني الى الغم و بيّن الفرق بين الغم و الالم فقد يتألم الانسان لطاريء دون أن يكون مغموما كما أنه قد يظهر لك فرحا مسرورا و هو في أشد حالات الغم ذلك أن الغم حالة داخلية مصدرها المكونات الباطنية للإنسان ،ضميره قلبه روحه وعقله ،و التي لا تتجاوب مع المحسوسات و لكنها تتأثر بالغيبيات و المعنويات وهذا الذي يفرقنا عن الحيوانات بل قد ينحط الانسان الى أدنى من الحيوان حيث يهتم بغير ما خُلق لأجله وهو معنى قوله تعالى (أولئك كالأنعام بل هم أضل) وهذا هو الغم الذي ينجو منه صاحب الهمة العالية المتعلقة بعرش الرحمن و يقع في أوحاله من هوت همته وخارت عزيمته فحامت حول الانتان ، ثم تناول الفوز، الفوز في الدنيا على نوعين قد ينال الانسان أحدهما او كليهما الفوز بالمحسوسات من ملبس ومأكل ومشرب ومركب ومنكح وذرية و غيرها من المتاع المادي، والفوز براحة البال و اطمئنان الحال و سلامة الصدر و الرضى والقناعة وهذه كلها لها مراتب يتفاوت الناس في الفوز بها ، والفوز في الآخرة وهو أيضا مراتب أعلاها الفوز بالفردوس وأدناها أن تزحزح عن النار وتدخل الجنة، وبين أن تزحزح عن النار من جهة والفردوس من جهة أخرى مقامات مختلفة يتفاوت الناس في نيلها حسب أعمالهم بعد رحمة ربهم، ثم دخل عالم اللذة والسعادة ، وبيّن أنواعها في الدنيا والآخرة ، و كيف تتفاوت من حيث الزمان والمكان، فهناك لذة ساعة أو أقل ،ولذة يوم أو أقل، ولذة شهر أو أقل، ولذة سنة أو أقل،وهناك لذة أبدية سرمدية، كما أن هناك لذة حقيقية وأخرى موهومة ، والنَّاس أصناف فيما يتلذذون به، وأعلى درجات اللذة والسعادة وأبقاها و أدومها اللذة بالنظر إلى وجه الله الكريم ذو الجلال و الإكرام ، الجمال المطلق و الكمال المطلق و الحسن المطلق و هذا أيضا يتفاوت الناس في الجنة في مراتبه ونيله ، ثم قال : بقيت لنا كلمة من أجلها طلبت الكتاب وأردتك ان تسمع ، ""الجسور"" و عكسها المتردد المتخاذل المتهيب الذي قال عنه الشابي : ومَن يتهيب صعود الجبال ... يعش أبد الدهر بين الحفر
و الجسور محمدة بين رذيلتين ،بين رذيلة التهور و رذيلة الجبن، فالمتهور لا ينظر الى السنن ولا يتهيأ للظروف ولا يستعمل عقله فيما يجب وما لا يجب والجبان متوقف دائماً متخوف دائماً مبادرته محدودة وعطاؤه منعدم يرضى بالدون و ينعم بصغار الأمور وأحطها، والجسور هو المقدام على معالي الأمور ومكارمها، لا يرضى من أي شيء إلا أحسنه، لا تفت في عضده المحن ولاتوهنه المتاعب ، يتفنن في الاسباب متكلا على رب الاسباب ،فَهِمَ جيدا حكمة ابن عطاء الله ( إرادتك التجريد... وجاء بالحكمة) فهو بين الاسباب والتجريد دائم التفكير والتدبير والعمل والانجاز، مستصحبا في كل أحواله قول الله تعالى (فإذا عزمت فتوكل على الله)، إن الجسور ليس بالمتسرع ولا المتخاذل، إن للجسور هموما ولكن ليست كهموم غيره ، قد يشترك معهم في هموم الانسان العادي الحياتية ، ولكن همومه تضاف إليها هموم و كأني به صاحب هاذين البيتين :
وقائلةٌ لما عَلَتْك الهموم ... وشأنك مرتفع بين الأمم
فقلت دعيني على حالتي...فإن الهموم بقدر الهمم
ثم أوصاني رحمه الله بأن الحياة قصيرة مهما طالت، محاسنها زائلة مهما تجمّلت، أكدارها قادمة مهما تأخرت، قال لي كلاما كان قد قاله أثناء المعرض الاول في راس الوادي سنة 1980/1981 قال: ما كنت أحسبني أعيش حتى أرى شبابا يحيون ما كاد يموت من هذا الدين و يعملون بكل جهد لرفعة هذا الوطن ،قال: انتم ستستكملون بناء الوطن بالدِّين الذي أراد له البعض أن يكون بعيدا عن مجالات الحياة و لا يقدر لذلك إلا الجسور، الامر يتطلب حكمة وعلما وفهما وتعاونا لا تحاربوا غيركم ولا تعادوهم خذوا بأيديهم فالدين والوطن يحتاجكم جميعا.احرص أن تكون لذتك وفوزك وسعادتك في خدمة دينك وشعبك ووطنك ،قال : كلاما طويلا لا يزال يتردد صداه في مسمعي...
و الهم الذي اعتراني و حرّك ذكراي وذاكرتي وأردت أن أتشارك فيه مع من يفهمني ،بدأ صغيرا وكبر، شبّ حتى شاب، لا أريده أن يهرم أو يموت ، ملك علي كل جوارحي ، فطر كبدي، أدمع عيني، أسال قلمي ، أدمى قلبي، قوّى عزيمتي، فتح الآمال أمامي، أعطى لحياتي معنى، ... إن همِّي هو دعوتي ووطني، رسالتي وجزائري، أحببتهما حتى النخاع، ، شربت حبهما مع حليب أمي، و نُقِش هواهما مع تلاوات جدي وأبي، تدفق هيامي بهما في قلبي باستذكار دماء أعمامي و أخوالي الشهداء و المجاهدين ، تمكن غرامهما بداخلي مع توجيهات مشايخي، وسكرت في هواهما في سهرات و مخيمات إخواني، إذا تمكن حقا عشق قيس بليلاه كعشقي لهما فلا ألومه في هيامه و لا جنونه، ربما لم أعطهما الكثير ولكن حسبي أني لم أخنهما او أستبدل بهما غيرهما ، حسبي أني أحب كل من يسعى لرفعتهما، حسبي أن أعيش و أموت خادما لهما، حسبي أني أصدِّق وأُعين كلَّ من يعلن حبهما صادقا او مدعيًّا، حسبي أني لهما... أكيد أطلت فمعذرة .