فائدة من سورة «فاطر» ربما يحتاجها كل مسلم، خاصة في عصرنا هذا:
فائدة من سورة «فاطر» ربما يحتاجها كل مسلم، خاصة في عصرنا هذا:
وأنا خارج أرض الوطن هذه الأيام، أتابع أحوال أمتنا وما تعيشه من انتكاسات وتحديات، وأرى في المقابل تلك القفزات الهائلة التي حققتها أمم أخرى، وخاصة في عالم العلم والتكنولوجيا والتخطيط والتسيير والمادة، جال في خاطري كثير من التفسيرات لهذه المفارقة، ولهذه الهوة السحيقة التي اتسعت بيننا وبين غيرنا ... شغلني هذا الأمر وأذهب عن جفوني الكرى ... فلجأت إلى كتاب الله، استوقفتني آية وما بعدها من سورة «فاطر» ، وكأنها تفتح أمامي بابًا آخر لفهم واقعنا:
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32]
تساءلت : من هم ورثة الكتاب ؟
وأجبت : أكيد هم المسلمون
ولكنهم : ثلاثة أصناف من بين مجموعة الاصطفاء هذه، مرتبة من الأدنى إلى الأعلى:
- ظالم لنفسه
- مقتصد
- سابق بالخيرات بإذن الله
فتساءلت:
أين أنا من هذه الأصناف؟
وأين أنت؟
وأين نحن كأمة؟
وأجبت نفسي : أكيد معظمنا ضمن صنف (( ظالم لنفسه )) ولكن ما هو الحل ؟
ثم استدركت :
الآية لا تتركنا أمام سؤال اليأس، وإنما تفتح أمامنا طريق الارتقاء.
كل واحد منا يستطيع أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، فيعرف أين هو، ثم يبدأ رحلة الصعود:
يتوب من تقصيره،
يصحح مساره،
يتعلم،
يستعين بالله ويتوكل عليه،
يستفيد من أهل الفضل والخبرة، ويحوّل ما يستطيع من النوايا إلى أعمال،
ومن الأحلام إلى إنجازات.
والأهم من ذلك أن ننتقل من سؤال: لماذا تأخرنا؟
إلى سؤال: كيف نصبح من السابقين بالخيرات؟
السابقون بالخيرات ليسوا فقط في العبادة الفردية، وإن كانت أساس كل خير؛ بل يكون السبق في العلم، والتعليم، والإتقان، والإنتاج، والاقتصاد، والإدارة، والتسيير، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، وخدمة الناس، وبناء المؤسسات، وحماية الأوطان، وإتقان العمل، وصناعة المستقبل ...
ولعل مشكلتنا ليست أننا لا نملك الطاقات، ولا أننا نفتقد الرجال والنساء القادرين على الإنجاز...
وإنما أن عدد السابقين بالخيرات في مجالات الحياة المختلفة، ليسوا منعدمين، ولكن ما يزال دون ما تحتاجه أمتنا، وما يحتاجه العصر ومتطلبات...
فإذا كثر السابقون بالخيرات في كل مجال، وتعاونوا وتكاملوا، وتحولت طاقاتهم الفردية إلى مشروع جماعي،
أقول مشروع جماعي وليس مشروع جماعة، فإن الأمة تستطيع أن تستعيد مكانتها، لا بالشعارات ولا بالحنين إلى الماضي، وإنما بالإيمان والعلم والعمل والإتقان.
وقد لفتني أن الآية ختمت بقوله تعالى:
﴿ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾
فالبداية من الله، والاستعانة بالله، والتوفيق من الله، ولكن علينا أن نقوم بدورنا.
فلنسأل أنفسنا بصدق:
في أي مجال يمكن أن أكون اليوم من السابقين بالخيرات؟
ثم نبدأ...
فالأمم لا تنهض عندما ينتظر أبناؤها تغير الظروف، وإنما عندما يصنع أبناؤها، بما يستطيعون، ظروفًا جديدة أفضل.
ولعلنا إذا أكثرنا من السابقين بالخيرات في أمتنا، فلن نكتفي يومًا باللحاق بركب الأمم، بل قد نستعيد موقعنا في مقدمة الركب ... هذه بعض التأملات عسى أن يلتقطها شخص فيكون لنا قدوة وقاطرة إلى الخيرات ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري